مقابلات شخصية

مقابلة أجراها/ بلال يدك لموقع "الجزيرة توك" مع ...

  حسن المسعود:

أرضعتني العراق ثدي هواها وغزتني بطرفها بغداد

الأستاذ حسن المسعود

  في مرسمه الواقع على ضفاف أحد روافد نهر السين، حدّثنا الفنان العراقي ابن دجلة والفرات "حسن المسعود"، وفي لقاء خاص للجزيرة توك، عن رحلته الفنية ومشواره مع فن الخط العربي.

"حسن المسعود"، خطاط عراقي يعتبر أحد الخطاطين الأكثر شهرة في المهجر.مقيم في باريس منذ أكثر من أربعين عاماً، بعد أن كان قصد فرنسا مغادراً وطنه العراق عام (1969).

 * نصف قرن في هذه المهنة، ما دور مدينة النجف في حياتكم الفنية؟

النجف مدينة محاطة بالصحراء وكانت بعيدة عن مركز الحضارة الذي هو بغداد، فعندما كنت صغيراً عشت إلى سن السادسة عشر في النجف، فكانت مدينة ذات اكتفاء ذاتي، كل ما يحتاجه الإنسان متوفر فيها..

كان هناك سوق الصفاريين حيث تصنع كل الأواني للبيت، وكان من الممكن أن نطلب من صانع الأواني أن يخط لنا عبارة ما على الإناء، فالمهني كان يلبي حاجة السكان.وكان هناك سوق آخر هو سوق النجارين، لصنع الكراسي والأدوات الخشبية، وسوق السجاد، والعطارين، إضافة إلى سوق للأعمال الذهبية والفضية.لقد كنت في هذه المدينة محاطاً بالأعمال الفنية.

 * ومن هم الفنانون الذين تأثر بهم "حسن المسعود"؟

عندما قصدت بغداد في عام (1961) تعرفت على خطاطين كبار من ضمنهم وأهمهم "هاشم البغدادي"، لا زلت أحتفظ منذ تلك الفترة بمخطوطتين بخط يده. لقد كان الخطاط الوحيد الذي أصدر كراساً لتعليم الخط ونبّه إلى أهمية الخط العربي، بقيت (8) سنوات في بغداد، من (1961) إلى (1969) كنت أعمل كخطاط مهني في مكتبي، وأذكر أن "هاشم الخطاط" كان يمر في بعض الأحيان ويجلس بمكتبي، كانت ذكريات جميلة جداً.

 * ما الذي كان وراء قراركم في السفر إلى فرنسا؟

 إن اختيار فرنسا فكان لمعرفتي بأسماء فنانين كبار عاشوا وأبدعوا هناك. في بغداد كنت أعلق على الجدران الكثير من أعمال (فان كوخ) و(مودلياني) و(كوكان) ... وهم من الفنانين الذين عاشوا في فرنسا، لقد كان فرنسا بالنسبة لي هي قبلة الفن.

لكن علي أن أقول إنني في تلك الفترة لم أكن أتصور أن أبقى طوال هذه الفترة. درست خمس سنوات في المدرسة العليا للفنون الجميلة، وتعلمت تقريباً كل الطرق التي كان يستخدمها الطلاب في مجال الفن التشكيلي، ولكن عندما حصلت على الدبلوم أردت أن أطور الخط العربي لأنني كنت خطاطاً قبل أي شيء.

* يقال بأن "حسن المسعود" طور الخط العربي؟ فكيف كان ذلك؟

 منذ الطفولة كنت خطاطاً، وعملت لثماني سنوات كخطاط في بغداد. أما في باريس، فعندما أردت أن أتخلص من تأثير الفن الغربي، وأستعيد حضوري كفنان شرقي مقيم في باريس، وجدت أنه من الأفضل أن أعود إلى الخطوط العربية، تلك التي كنت أعرفها وأشتغل عليها في بغداد، غير أني شعرت تدريجياً بأنه من الضروري تطويرها. في سبيل ذلك.. استلهمت أعمالاً من الفن الغربي الفن التجريدي، وتأثيرات الخط الصيني، عملت كثيراً مع فنانين من الصين، حتى أنني سافرت كثيرا إلى اليابان وعملت مع خطاطين يابانيين، وخطيت أمامهم في قاعات كبيرة، وكان لك هذه التأثيرات أن تجد طريقها إلى أعمالي.

هناك علاقة بين الخط والشعر، فماذا عن الموسيقى، هل لها دور في خطوط "حسن المسعود"؟

 نعم، الموسيقى لها دور كبير في الخط العربي، وبالتعاون مع الموسيقار "فوزي العائدي" والفنان المسرحي الفرنسي (كي جاكه) عملنا مدة ثلاثة عشر عاماً حفلات موسيقية، شعر، وخط. كنت أنا في الوسط أخط على جهاز يعكس الخط مباشرة على شاشة كبيرة، وبجانبي الممثـل الذي كان يتكلم اللغتين العربيــة

والفرنسية ويلقي الشعر، و"فوزي العائدي" كان يغني الشعر على آلة العود، وأنا كنت أخطه مباشرة. استمر هذا العمل مدة ثلاثة عشرة سنة، كانت وسيلة للعيش والفن في آن واحد، فكان لذلك أيضاً تأثيره في عملي كخطاط، وتوقف هذا العمل بوفاة الممثل الفرنسي.

* هل يمكن لـ"حسن المسعود" أن يعبر عما يدور بداخله من حنين إلى دجلة والفرات بواسطة الخط العربي؟

 طبعاً، عملت كثير من الخطوط عن العراق في كل شهر وكل سنة، عندي مجموعة من الخطوط لأشعار عراقية، وأشعار تعكس أحاسيسي تجاه العراق، حتى حركات الخط أحيانا تبدو كأن العراق يشتعل بالنار، كل هذه الأعمال أحتفظ بها لتكون جزءاً من تراثنا المستقبلي.

* بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، أصدرتم كتاباً بعنوان " خطوط الحب" هل كان للخط العربي دور في تلطيف الأجواء آنذاك؟

 بشكل عام هنا في أوروبا يوجد أناس أقرباء من العالم العربي يودونه ويحبون التعاون معه، وهناك أيضا مجموعة ضد التعامل معه، فبعد الحادي عشر من سبتمبر هذه المجموعة التي كانت ترفض الاقتراب من المجتمع العربي زاد تأثيرها داخل المجتمع الأوربي، في ذلك الحين أصيبت المجتمعات الغربية بالخوف فكان واجبنا كمثقفين وفنانين أن نتجه إلى هذا الجمهور ونشعره بأن العالم الإسلامي والعربي يحوي جميع التيارات والفئات، فكتاب خطوط الحب الذي أصدرته يتضمن حوالي مئة عبارة شعرية قادمة من العالم الإسلامي وبنفس الوقت حاولت أن أشكّلها كخطوط راقصة وبهيجة من أجل أن تكون رسالة للعالم الغربي.

* هل تظهر معاناة شعب العراق في خطوط "حسن المسعود"؟

 في كل حركة أقوم بها هناك أحاسيس مرتبطة بالعراق، أنا عراقي وجذوري مرتبطة بالعراق، يلهمني قول الشاعر "مطرف بن مطرف" الذي سافر إلى الأندلس قديماً:

 أرضعتني العراق ثدي           هواها وغزتني بطرفها بغداد

إن حالي كحال هذا الشاعر، ولكن أعمالي التي تخص العراق كلها موجودة فلا أبيعها ولا أوزعها بل أحتفظ بها، فعندما أدعى من قبل الدول العربية لعرض أعمالي أعرضها هناك، ولكن هنا أحتفظ بها للمستقبل.

* "حسن المسعود" يحضر ألوانه بنفسه كيف بدأ ذلك، وما هو اللون المفضل لديكم؟

 الألوان بالنسبة لي كلها مفضلة، فهي كأولادي لا أفضل أحد عن آخر، أعطي لكل لون حقه، ولكن كل لون يأخذ مكانه ففي الصيف عندما يكون الجو لطيفاً أفضل الألوان الزاهية الزرقاء، في الربيع ألوان الحدائق وفي الشتاء الألوان الغامقة، أما بالنسبة لتحضير الألوان فهذا أمر تعودت عليه عندما كنت خطاطاً في بغداد، فالخطاطين آنذاك كانوا يحضرون الحبر بأنفسهم، وعندما التحقت بالدراسة في كلية الفنون الجميلة بباريس وجدت أن هناك وصفات كثيرة للألوان موجودة عند الفنانين المسلمين سابقاً، فحاولت أن أستفيد منها وطورتها بفضل دراستي في كلية الفنون الجميلة في باريس.

موقع الجزيرة توك، www.aljazeeratalk.net

 
.:: جميع الحقوق محفوظة لـ: هبـــة ســـتوديو::.