* تجربتك المتميزة في التجديد واجهت ولا تزال ردود فعل سلبية من قبل أصحاب
وجهات النظر التقليدية. هل تعتقد بأنك استطعت تثبيت ما كنت تسعى إليه منذ
بداياتك الأولى في الثمانينات من القرن الماضي؟
- إن عملية
الخط عندي هي كما لو تنتابني الحمى وأكافح للتخلص منها، وعندما أملأ العشرات من
الأوراق أشعر بان عافيتي قد عادت إليّ. يقول المثل الياباني: "الخط هو الإنسان
نفسه". إن خطوطي تعكس حقاً طبيعة حياتي. كنت خطاطاً في مدينة بغداد لسنوات، ومن
بعدها شددت الرحال إلى مدينة باريس قبل (36) عاماً، من أجل الشروع بدراسة الفن
الغربي، والاطلاع عن قرب على تجارب وخصائص الفنون المعاصرة، وقد تعرفت على
الخطوط الصينية واليابانية وعوالهما الساحرة. في كل مرة إمام هذه الممارسة
تمتلكني الرغبة بأن تكون للكلمات التي أدونها على الورق مثابة هياكل معمارية
عالية، وتماثيل كبيرة تعيش في وحدة الصحراء. تقف على خط الأفق داخل فضاء فسيح
في جو من الحرية. إن استعمالي الخط في التكوينات التشكيلية ربما يكون كرد فعل
إزاء تطور وسائل التصوير كالسينما والتلفزيون، وأحب صداقة الخط العربي للأدب،
فأنا أخط دائما القصائد والأبيات الشعرية، فعندما لا أرى في مخيلتي أشكالاً
أبحث عنها عند الشعراء، وكمثال أعطيك بيتاً لـ "أسامة بن منقذ" يقول فيه:
انظر إلى حسن
صبر الشمع يظهر للرائين نوراً وفي
النار تستعر
انه يتكلم عن
الإنسان المحترق في سبيل الآخرين. أنا أفكر بكلمة النار وأحولها إلى شكل لهب،
أي أمزج الخط بالرسم. أحاول على الدوام التعبير عن جوهر العبارة من خلال الشكل
الجديد للكلمة والألوان والطاقات التي أشحن بها الحروف. أنا أريد أن تكون خطوطي
بمثابة هياكل عالية ونصب رشيقة تتسم بالسمو لتعيش وسط الصحراء، تقف على خط
الأفق داخل فضاء فسيح في جو من الحرية، وفي كل ما ذكرت عن هذه التجربة فإنها لا
تشابه الخط التقليدي، وحتما إن خطوطي بهيئتها وتوجهاتها وخصوصيتها تخلق بعض
الإرباك عند من يزال يعتقد أن قيم الجمال في الفن هي قيم ثابتة، بينما يظهر لنا
التاريخ بأن الخط العربي يرينا التطور في كل فترة تاريخية، كقفزة الخط الكوفي
الهندسي وخروجه من كوفي المصاحف إلى كوفي يتسم بالحداثة والتشذيب والمطاوعة،
وهو يمتلك جماليته المتميزة أيضاً.
* ما هو مستقبل لوحتك ولوحاتهم؟
الحكم على
الفن يعود كما تعرف للآخرين، للمتلقي نفسه، فالخط بإمكانه كما أعتقد أن يخرج
إلى العالم، وله القدرة والمطاوعة الكبيرتين في أن يتخذ أساليب متعددة ومتجددة
باستمرار.
* تعني انك تحمل قناعة كبيرة بنجاح مستقبل ما تقدمه في تجربتك الحالية؟
ينطلق عملي
الفني من تراكمات التراث الخطي، وخصوصاً ما هو قادر على إظهار الشكل المعماري
كبناء جمالي يمتزج بتناسق ومطاوعة مع الفنون الأخرى، من أجل الوصول من خلال هذه
المزاوجة التي تتسم بحرية الحركة، إلى فن يعكس ثقافتي الشخصية، ووعيي بضرورة
تقديم ما هو متجدد في حياة متغيرة. الخط العربي يمكنه موازاة فنون البلدان
الأخرى التي تشهد تطور في وسائلها الفنية وذلك لخلق معابر جديدة للحوار معها
خارج حدود الأفاق التقليدية التي ميزت المراحل التاريخية القديمة.
*يقال أن خلق تواصل حقيقي فيما بين التشكيليين الحروفيين العرب سيكون له إذا
حصل انعكاسات ايجابية، أهمها خلق حافز لتشجيع التراكمات، ومعاينة التجارب
الجادة التي يمكن الاستعانة بها لتأسيس وبناء أساليب تميز الواحد عن الآخر
عوضاً عن دوائر التقوقع والتكرار والاجترار التي يقوم بها البعض؟
إن وجود
تواصل عبر لقاءات ومداخلات وحوارات عملية ونظرية، وإقامة معارض مشتركة من شأنه
كما ذكرت سيلقي أضواءً كثيرة وجديدة في إبراز التجارب الجديدة والمستنيرة لكل
خطاط، لأني مقتنع تماماً بان الخط ككل الفنون الأخرى يمكنه المساهمة، وبجدية
بارتقاء المجتمع على أن لا يظل أسير عملية التكرار والاجترار التي أشرت إليها؛
بل من خلال الأخذ به للبحث عن صياغات وأساليب تتناسب وطبيعة المرحلة التي
نعيشها مع العالم الذي يسرع نحو التغيير الدائب والمستمر.
* نشهد جميعا تحول التشكيليين في الغرب إلى الفضاء الحقيقي برغبة جامحة لأجل
احتلاله بأبعاده الثلاثة المتمثلة في الأرض والسقف والجدار. أين باعتقادك موقع
الفنان العربي من هذا؟
نرى الكثير من
المعارض في أوربا تبتعد عن اللوحة نحو احتلال الفنان للقاعة بأبعادها الثلاثة
التي أشرت اليها، إنها تجارب لابد من النظر إليها بجدية، مع إني لا أحمل في
كثير من الأحيان قناعة لعديد من العروض هذه، إذ تبدو لي أنها مفروضة على
الفنانين من جهات أخرى، ومن طروحات بعيدة عن العملية الفنية بقدر تجاوبها مع
الطروحات النظرية. اللوحة عندي كسطح تشكيلي بإمكانها أن تعكس نظرتنا للعالم،
وانطلاقاً من أي عمل مهما كان صغيراً يمكن أن نؤثر من خلاله على الحياة
بالمساحات والحجوم التي نريدها. أنا اعتقد بأن العمل الفني له القدرة والمطاوعة
على خلق التأثيرات التي يريدها الفنان، في حال كون تجربته متميزة وجديدة وتحمل
عطاء في الإبداع.
* ألا تعتقد بأن الفن العربي الإسلامي توقف منذ القرون الوسطى التي كان فيها
الإحساس والوعي بالزمن بطيئاً، بالمقارنة مع توالي الأحقاب والأزمنة، بعكس الفن
الغربي الذي ساير تطور المراحل والتحولات؟
الفن يظل
شاهداً على حركة ومسيرة أي مجتمع من المجتمعات الإنسانية. إن تخلف الشعوب
العربية والإسلامية هو سبب تخلف الفن الإسلامي، ولكن يمكن للكثير من فنانينا أن
ينهضوا بحركة فنية تدفع بشعوبنا نحو التقدم. إن التعرف والاطلاع المستمر على
الفنون العالمية اليوم يجعل التقليد أمراً ساذجاً، ويفرض المجيء بفن له علاقة
بأرضنا وتقاليدنا ومفرداتنا وأذواقنا الجمالية، وسوف يعطي الفنان الدرس للآخرين
بعدم تقليد الغرب في كل شيء وبكل ما ينتج، لأن من شأن هذا إلغاء خصوصيتنا
كبناءات فكرية وحضارية وثقافية.
* أنت لا تزال تشتغل على اللوحة. ألا تعتقد بأنها محدودة الفضاء وأنت من ناحية
أخرى بعملك تحاول على الدوام توسيع بناءاتك وفضاءاتك؟
هناك قاعدة
ذهبية في الفن تقول بعمل الأشياء الأكثر اتساعاً بواسطة أسهل شيء، لهذا فاني
أرى بأن لوحة صغيرة لربما يمكنها أن تعبر عن عالم فسيح. في الخط توجد متطلبات
كحيوية الحركة، فإني أستطيع أن أنجز حركة سليمة بطول متر واحد، وان أقوم بحركة
طولها أربعة أمتار، فإنها ستكون متكلفة لان ذراعي لها قدرة محدوة. في السابق
كان الخطاط يعمل تكويناته الخطية على الورق ويعطيها إلى المهني لكي يكبرها
بإعادة الرسم، فيكون خطاً مرسوماً، وأنا ومنذ ثلاثين عاما استعمل طريقة في الخط
الفني خارج اللوحة بالخط على جهاز يعكس ما انجزه من خطوط وبشكل مباشر على شاشة
كبيرة، كما توجد الآن وسائل جديدة تقنية متطورة تتمثل في استخدام الكاميرا
الرقمية التي بإمكانها تصوير اليد وهي تخط لتبعثه مكبراً بعدة أمتار على
الجدار.
* مساهماتك النشطة في المهرجانات العالمية وآخرها مهرجان اسطنبول هدفها إيصال
تجربتك والربط ما بين الجمهور والفنان التي حرصت على الدوام تمتينها؟
مع مجموعة
الرقص الكلاسيكي الغربي (كارولين كارلسون) و فرقة عازف الناي (قدسي اوركنر)
شاركت في مهرجان اسطنبول. بهذا المهرجان فقد كنت أخط عبارات شعرية تصورها
الكاميرا وتبعثها على الشاشة، أو على أجساد الراقصين، أمام أكثر من (1500)
مشاهداً حضروا لمشاهدة هذه العروض المتميزة في إحدى صالات أحد القصور التاريخية
القديمة الذي يعود تاريخه للقرن الخامس الميلادي، وقد تم تصوير هذه الفعالية
سينمائياً لأجل استخدامها في إنتاج أفلام قصيرة كونها تجربة متميزة. لقد كانت
مشاركتي في هذه الأمسية عمل لوحات خطية ساهمت فيها ظلال الرقص على نغم
الموسيقى.
ثلاث مدن
فرنسية طلبت عرض هذه التجربة الجديدة في منتصف السنة القادمة، ضمن مهرجانات
فنية متخصصة في فرنسا. وهذا العمل هو دليل على إمكانية الخط العربي في مجاوراته
وتمازجه واستئناسه في مجاورة الفنون الأخرى، وأيضاً الخروج على ما هو مألوف
وسائد نحو التجديد.
روما 2005