الخط ابن الصورة
*
في عملك على اللوحة الخطية التشكيلية هل ثمة قاعدة للخط أم هي مفتوحة
للابتكار بأنواع خطية
جديدة، وكيف يتم ذلك على ضوء القاعدة الأساسية؟
وهل ثمة هاجس يراودك في
ابتكار خطوط جديدة؟
الفكرة منذ البداية هي
ابتكار خطوط جديدة عبر تجربة عملي في الخط العربي التقليدي، والدراسات الفنية
فيما بعد.
أبحث عن خطوط
جديدة آتية من الخط القديم ولكن لا تشابهه، تماماً كالعلاقة
بين الخط الكوفي القديم أو ما نسميه بكوفي المصاحف.كوفي المصاحف يخط
بقلم القصب، بينما الكوفي الهندسي يعمل من الطابوق، ويكون الحرف والفضاء
المحيط به بخطوط مستقيمة ويتشابهان في
السمك، ولا تستعمل فيه القاعدة
الأساسية للخط العربي، ألا وهي الثخن والرفع في حركات الحروف والآتية من
استدارة منقار قلم القصب على الورق.
خطوطي
تعتمد على قاعدة قوية، وهي ذاكرتي لكل ما شاهدته وما عملته من خطوط
في السابق، ولكني أحلم بالوصول إلى
إنتاج خطوط لم تُرى سابقاً.هل كان من
الممكن ابتكار الكوفي الهندسي لولا كوفي المصاحف؟
الآن، وبعد
قرون،
يبدو الكوفي الهندسي خطاً تراثياً.ولا
نقاش في هذا.
*
اعتمد الفن التشكيلي في أوائل السبعينات على اقتباس الحرف العربي
باعتباره عنصراً من عناصر
التاريخ والحضارة، وكنوع من إدراك هوية عربية
تراثية.هل استطاع التشكيل
أن يضفي أبعاداً جديدة للحرف العربي، أم أن
المزاوجة أفقدت الحرف
جلاله ورصانته وعمقه الروحي متداخلاً مع سراب الصورة؟
لا
أعتقد أنه يمكن الحكم على نتاج مجموعة فنانين بشكل عام، إذ لابد
من الوقوف بتأمل أمام كل لوحة وتحسسها، فإن أثارت فينا مشاعر وخلقت
حواراً داخلياً فيمكن أن نقول أن هذا العمل الفني يمثل عطاءً جديداً.مع
الأسف، وبسبب كوني أعيش في باريس قرابة
(33) عاماً، لا أعرف كل التجارب في
هذا المجال.ويصعب عليّ مقارنتها، وتقدير أهميتها.
*
في باريس أيضا كونت مع الممثل الفرنسي (كي جاكه) والموسيقي "فوزي العائدي"
فرقة مسرحية تعتمد في عروضها على الشعر والموسيقى والخط العربي.ما هو
المدى الذي أضافه وساعد
فيه الخط العربي على نجاح العروض باعتباره مساهماً
أساسياً مع الشعر
والموسيقى في عمل حي؟
لم يكن في
البداية واضحاً في ذهني إمكانية إضافة شيء جديد آتٍ من
الخط العربي داخل عمل مسرحي حي وأمام الجمهور، ولكن استمرارية القيام
بهذه الأعمال لفترة طويلة تقع مابين عام (1972) وعام (1985) جعلت الخط يجد
مكانه بجانب الشعر وأخته الموسيقى.
كما أن الخط
هو ابن الصورة، إن كنا نحب البحث عن الأصل والفصل، وإن
وافقنا على هذه العلاقة الأبوية المنحدرة عن سومر ومصر القديمة قبل ستة
آلاف سنة، آنذاك يمكن قبول تجربتي الخطية في وضع هيئات صور متشابكة مع
الحروف والكلمات.إنها ليست صوراً
طبيعية، إنما هياكل صور تفتقد إلى
اللحم والشحم، وما على المشاهد إلا تخيل شكل الصورة.وتزداد هذه الصور
في الكتب التي زينتها بخطوط مقابل النصوص الأدبية.
في الخط توجد
تيارات متعددة أكثرها نبلاً الخط الكلاسيكي كتجارب "الأماسي" في القرن السادس
عشر، و"راقم" في القرن التاسع عشر، و"هاشم" في القرن
العشرين على سبيل المثال، ولكن هناك
تجارب أخرى كثيرة وأكثرها لخطاطين
مجهولين، كما في المعمار الإسلامي وما تمتلئ به المتاحف من حاجيات نقشت
عليها الخطوط، كل هذه يجب أن تدخل أيضا في حساب فن الخط.إن الفن
الحقيقي هو ما يثير الإحساسات، وما
يطرح تساؤلات حول الحياة والموت.إن
مأساوية حروف كوفية مزدحمة على صخرة قبر يمكن أن تساهم في الحوار الفني
أيضاً، فالثقل الفني التعبيري داخل خط عربي يعود إلى ما يجول في صدر
الخطاط لحظة قيامه بعمل خطوطه، فإن كان
يفكر بالإنسان الفاني لحظة حفره
الصخرة فإن هذه المشاعر ستدخل عمله بشكل أو بآخر، وحتما سيقف المشاهد
أمامها بخشوع.
*
ذات يوم نزل خطاطو اسطنبول للشارع في مظاهرة ضد استقدام المطبعة واضعين
قصباتهم ومحابرهم في نعش
ينعون به وفاة الخط.هل ساهمت التكنولوجيا
الطباعية والثورة العلمية في الكمبيوتر وبرامج الخطوط وتحرير الصور بتعجيل
وفاة الخط العربي كما توقع خطاطو اسطنبول التي كانت عاصمة الخط آنذاك؟
أعتقد
أن الكمبيوتر هو آلة يمكنها أن تأخذ وتعطي في آن واحد، لذلك لا يجب
معاداتها، بل بالعكس كسبها لكي تعطينا
أكثر فأكثر من إمكانياتها الجديدة، ولكي تساهم في وضع الحلول لمشاكل التخلف
الثقافي.
بل أقول لك
أنني متفائل، إذ أرى أن الكمبيوتر سيعيد للخطاط دوره الفني
الذي فقده يوم أصبح الكثير من الخطاطين يعملون في مجالات الدعاية والإعلان، كما
كنت أنا شخصياً.إذ سيبحثون عن طرق أخرى للفن وللعيش، فالخطاط
العربي كان دائماً فناناً إما بحماية
المسؤولين أو بممارسته مهنته الفنية
كسائر المهن الفنية الأخرى.
*
البياض الواسع خلف الشكل الرئيسي وتوزيع النص أسفل هذا التكوين المهيمن
على اللوحة تكاد تكون فكرة
أغلب لوحاتك، هذا البياض الممتد لأفق مفتوح،
ماذا تريد أن تقول من
خلاله؟
لو كنت أدري
ما أريده عبر الخطوط التي أعملها لكنت توقفت عن إنتاج
الخطوط، وتوقفت عن قضاء ساعات طوال منغلقاً في مرسمي أعيد وأعيد كل خط
عشرات المرات؛ آملاً الوصول لما أراه في إحساساتي الداخلية.ولكن عندك الحق
فيما تقوله، فإن خطوطي تصعد عالياً
كشجرة أو كتمثال فيبدو البياض خلفها
كمشهد صحراوي مطلق.
هل إنه البحث
اللامنتهي عن الأفق الذي كنت أتأمله في مدينة النجف الراقدة بثقل على هضبتها
العليا كسفينة عملاقة وسط بحر من الرمال؟
رغم أنني أريد
أن أتجدد كل يوم، فمرة عبر الألوان، إذ أحضر أنا الألوان، ومرة أخرى من الكلمات
والعبارات التي أنتقيها عبر عصور مختلفة ومن تراث الإنسانية بأكمله.آملا أن لا
تتقوقع خطوطي وتراوح بنفس الفضاء المعتاد.
موقع أفق، www.ofouq.com