وهكذا فإن الخط لابد أن
يتغير أيضاً اليوم، وغداً ربما ستكون خطوطي أيضاً "المألوف"، وهذه الخطوط
بدورها سوف تنتظر من يتخطاها، وهكذا ...
ولحسن الحظ أنه في كل عصر
وجد أناس ينظرون لما هو غير "مألوف".هنالك أذواق متعددة ما بين الملايين من
الناس، وتيارات متعددة من الفكر والإحساس، لابد من أن تتعدد الاتجاهات الفنية
بكل حرية، لابد أن نكافح من أجل التنوع والخروج عما هو مألوف.أحياناً، سيتطلب
بعض الإنتاج الفني سنوات طويلة للبعض لتقبله، وآخرون سيدخلونه مباشرة بعفوية
وببساطة.
**
كلامك هذا ذكرني عندما تعلمنا النقد، فرسخت في ذهني عبارة كما أتذكر لـ (ماو
تسي تونغ): "وكل قديم في عصره حديث"، برأيك أين تكمن المشكلة في التطوير؟
المشكلة الحقيقية في
مجتمعاتنا هو انعدام الحوار الثقافي والفني، وقد نجد من هو مثقفاً في الشعر،
ولا يعرف مقامات الموسيقى، ومن يعرف المقامات قد لا يعرف أساليب
الخط.والإمكانيات للّقاء والتفاهم لا تتوفر أبداً في أكثر المدن.
وبسبب توفر كثرة المصادر
عن الخط القديم تتوقف المعرفة عنه لدى البعض عند هذا الحد.كما أن كثرة توفر
المصادر عن الفن الغربي يدفع البعض للاعتقاد بأنه الأسلوب الحديث وحده ولابد من
تقليده.وهكذا يصبح "المألوف" ما هو القديم من جهة والفن الغربي من جهة أخرى.إن
الخط العربي الكلاسيكي يعبر عن عصر إختفى ولابد من تطويره، وتجربة الفن الغربي
تعكس مجتمع الغرب وظروفه التي قد لن تكن نفسها ظروفنا.
وكما استلهم الأدباء
والفنانون الغربيون الكثير من الشرق، يمكننا أيضا أن نستلهم أشياء من الفن
الغربي ولكن بعد هضمها.
المطلوب اليوم أن يكثر
إنتاج الكتب والصحف ومواقع الانترنت عن الفن العربي، لكي نتعرف على الفنانين
ونتاجاتهم.بلداننا غنية تملك كل شيء لذلك، ولكنها فقيرة روحياً.فالثراء الحقيقي
ليس بكثرة الامتلاك، إنما العيش باتساع كما قال (غاندي).
"المألوف" هو ضمان أمان
للمجتمعات المتخلفة الراكدة، لكنما كسر المألوف ودفعه للحركة هو سمة المجتمعات
المتطورة.وكما يطمئننا (طاغور): "عندما تغلقون بابكم أمام كل الأخطاء؛ فإن
الحقيقة تبقى خارجاً".أفهم من هذا إذا أردت معرفة الحقيقة؛ فلابد إن نفتح بابنا
لكل التجارب.
** لك تجربة فريدة من نوعها وهي استلهام
الخط من الشعر حتى إنك ذهبت بعيداً واستلهمت من الصوت -أخص بذلك الموسيقى- أرجو
توضيح ذلك بتركيز ليفهم القارئ والمشاهد سر هذا العمل؟
علاقة الخط بالشعر قديمة
ولازالت.لدينا نماذج باقية منذ قرون، كشعر "ابن زمرك" المنحوت في تكوينات على
جدران قصر "الحمراء" بغرناطة، وقصيدة "البويصري" في قصر "طوب كبي" باسطنبول.
إن ما أعمله اليوم هو
استخدام الشعر في الخط بشكل واسع وبخطوط حديثة؛ أي لا تشابه الأساليب
القديمة.أحياناً اخط أشعاراً من الشرق والغرب تبدو وكأنها كتبت من قبل شخص
واحد، أي هنالك اتفاق على المضمون من قبل شعراء لم يلتقوا فيما بينهم، وفي
أوقات كثيرة يساعدني الشعر عندما يشح الإلهام.
الشعر هو أيضاً موسيقى
الألفاظ، وقد عملت لسنوات على الموسيقى، وتأثيرها على حركاتي الخطية، فأضع نفسي
في التهيؤ للاستلام وأسمع الموسيقى، أترك يدي ترسم الأصوات، تصعد وتهبط حسب
الحركات الموسيقية المسموعة.واكتب الكلمات التي أريدها، فيطول حرف أكثر من
المعتاد ويتبعه آخر ثم تقصر بعض الحروف، وفي النهاية أجد أشكالاً للكلمات لم
أعرفها سابقاً.أشكال متناغمة وكأنها ترقص حول محور، وحسب نوعية الموسيقى تكون
نوعية الخطوط: مرحة خفيفة أو حزينة ثقيلة.
**
وهل عملت مع موسيقيين عراقيين وغيرهم؟
نعم عملت مع الموسيقي
والمغني "فوزي العائدي" لمدة ثلاثة عشر عاماً بشكل مستمر.كما ساهمت في ثلاث
حفلات في مدن فرنسية مع فرقة رقص كلاسيكية عالمية، (كارولين كاريسون) والموسيقي
التركي (قدسي اركنر).خلال العرض توجه الكاميرات على يدي لتنقل على شاشة كبيرة
الخطوط المصاحبة للموسيقى.
** الغربة والحنين ملازمان لنا فنجدهما
متجسدتين في الكتابة بشكل خاص.كيف يمكن للخطاط أن يعبر عنهما في حروفه؟
الغربة أحياناً تكون
ثقيلة وخانقة، ويتضاءل الفضاء المحيط بنا ويتقلص فنشعر بالألم، الحروف آنذاك
يمكنها أيضاً أن تأخذ حبراً كثيفاً وثقيلاً تفرض البطء القاتل، وآلة الخط تكون
عريضة جداً ولكن على ورقة صغيرة، حيث لا مكان لكتابة كل الحروف، فيصعد حرف على
آخر وتتداخل الكلمات، ولم يعد بالأمان القراءة، وهكذا تبدو صورة الغربة مرفوضة
ولا يمكن فهمها أبداً.وان تطول الغربة تصبح تساؤلا ً مستمراً، فتكون كما قال
الشاعر الكبير "ابن حميدس":
مالي أطيل عن الديار تغرباً أفبالتغرب كان طالع مولدي؟
أما خط الحنين، فان الحروف
ستكون شبيهة لما يريده القلب، ولا أستطع وصفها، هنا من الصعب الكلام حقاً، لهذا
أترك الشعراء يجيبون بالنيابة عني:
يا غائبين وفي قلبي أشاهدهم
كما قال "البهاء زهير".أو
كما قال الشاعر (انطوان متشادو):
كانت في قلبي شوكة تؤلمني،
وفي أحد الأيام انتزعتها فلم أعد أحس بقلبي.
** هل تعتقد أنه يجب التوجه إلى المشاهد
الغربي والشرقي بنفس الأسلوب، أي بملامح شرقية بحتة وبهذا نكون قد أدينا مهمتنا
في الوقت نفسه؟
كما تكلمت في بداية هذا
الحوار أن عالم الفن غامض، وتكون منابعه في اللاوعي، لذلك من غير الممكن
التفكير عقلياً بكيفية الاتجاه، والأخذ بالاعتبار إلى أي جمهور سنتوجه
بعملنا.المهم أن يكون الفنان مخلصاً مع نفسه.وكل فنان يأتي بعالم جديد وغير
منتظر سيكون فنه عطاء للإنسانية، العملية الفنية أحياناً تمزق الفنان إذ يرى
أشياء بمخيلته ولكن لا تولد على اللوحة، أجيب باختصار: إنه لا توجد قوانين في
هذا المجال.والمجال واسع أمام كل فنان ليترك إحساساته تقود عمله الفني.
**تجربتك
الطويلة وعشقك للخط، هل يمكننا أن نعرف من سيرثها في العائلة؟
ابنتي "نادية" في الثلاثين
من عمرها، وبالرغم من حبها للخط اتجهت للأدب واللغات وهي الآن مُدرسة في مدرسة
متوسطة، تدرس اللغات الفرنسية واللاتينية والإغريقية، كما أنها درست في
(السوربون) الأدب العربي.لكن ابنتها (أليانور) تحب الخط.
**
هل برأيك أدى ويؤدي الفنانون العراقيون في الخارج مهمتهم، وخاصة في مثل ظرفنا
العصيب لنقل رؤيتهم ومعاناتهم التي هي جزء من معاناة شعبنا الجريح؟
هناك فنان له القدرة في
أسلوبه على تغطية الأحداث اليومية كما الصحفي، وآخر يحتاج لزمن طويل لرسم جوهر
الأحداث وإعطائها عالمية أوسع.نحن بحاجة إلى إنتاج الكل، في مجال العمل الفني
لا توجد حدود واضحة للحقيقة ويمكن أن يتجول الفنان مابين عدة تيارات بهدف
الوصول إلى الحقيقة، أعتقد أن الكثير من الفنانين العراقيين في الخارج تنقصهم
وسائل التعريف بأعمالهم.فكم من فنان يمضي وقته في العمل الفني ولديه أعمال لم
يرها أحد، ولكن حتماً سيأتي اليوم الذي سترى فيه كل هذه الأعمال، فإن بناء
العراق الجديد سيتطلب زمناًً وكل عطاء فني وأدبي ومهما كان سيكون مساهماً في
تطوير مجتمعنا.أضرب لك مثلاً لاثنين من الفنانين الذين عاشوا في جنوب فرنسا
أثناء الاحتلال النازي، الأول (سوتين) ولوحاته تمثل الرعب والإرهاب في ذلك
الزمن، الألوان وطريقة جرات الفرشاة والوجوه المتهرئة تجعلنا نشعر بالقرف من
النازية، والفنان الثاني هو (ماتيس) كان على العكس، بدلاً من أن يرسم الألم،
رسم العالم الذي أراده أن يكون: عالم الصفاء، والألوان الزاهية، وضوء الربيع
الدائم.اليوم كلا الفنانين يبتوءان مكانا محترماً في قلوب المشاهدين، الأول
وكأنه يقول لنا: علينا ألا ننسى.والثاني يؤكد لنا أن الربيع حتماً آت.أما نحن
فما علينا إلا العمل بقدراتنا الضئيلة، قدرات الأدب والفن والتي يمكن لها في
يوم من الأيام أن تضيء الطريق لشعبنا الجريح المتعب.
** عالم الإنترنت العجيب قرب ما بيننا
جميعاً في كل أصقاع الأرض، حدثني عن تجربتك معه، ولأننا من خلاله الآن نعرّف
أبناء شعبنا بالدرجة الأولى بفنان بعيد المسافة عنهم؛ ولكنه مازال يتمسك بجذوره
التي تشده إليهم بالحرف واللون.
عندما جئت إلى باريس في
بداية السبعينات ساعدت الكثير من الجمعيات للعمال المهاجرين بفرنسا في مجال
الخط وعمل ملصقاتهم، ومع مرور السنين تكاثر عدد الأصدقاء فيما بينهم.وفي عام
(1997) عرض علي صديق مغربي أن يعمل لي موقعاً ًعلى الانترنت.ولم أستطع أبداً
تخيل ما يشرحه لي من فوائد الانترنت، إذ لا يمكن تصور ذلك في تلك الفترة.ولكنه
ألح علي قائلاً انه ليس بصدد إرجاع الجميل، وإنما يرى أنه من الضرورة التعريف
بعملي الفني لصالح الجالية المغتربة هنا، وللالتقاء مع الجمهور العربي
والعالمي.وهكذا عمل صفحات جميلة تتضمن نصوص عن عملي، وحوالي الثلاثين خطاً،
كذلك دفتر زوار أدهشتني آنذاك كثرة الرسائل التي نستلمها من كل مكان.
وبعد ذلك عرض علي آخرون
عمل مواقع أخرى، وانتشرت أعمال كثيرة لي على الانترنت.ومنها في موقع "الفنان
العراقي" الذي اعتبره من الأعمال الثقافية المهمة للفنانين العراقيين في
الخارج، واللقاء مع الداخل ولا أكتفي من الشكر لكم في كل مناسبة ممكنة.
** نحن نشكرك جزيل الشكر
ونتمنى لك الصحة، ومزيداً من الإبداع، وكل ما أتمناه أن تلتقي بشعبنا على أرض
العراق، وليطلعوا على كتب خطوطك الرائعة ولكن بنص عربي.بالطبع يمكن التعرف أكثر
على تقنية العمل من خلال كتاباتك عن تجربتك الفريدة في موقع "الفنان العراقي".
موقع الكاتب العراقي، www.iraqiwriter.com