مقالات هادفة

 

بقلم/ ثائر شاكر الأطرقجي

 الإيحاءات الدلالية للكلمة والحرف عند الخطاط جاسم النجفي ...

 يُعد الخط العربي مظهراً من مظاهر العبقرية الفنية لدى العرب والمسلمين, إذ أن الخطاطين الأوائل عبروا عن الحس الفني وبحثوا عن مواطن الجمال في أعمالهم وذلك لما عايشوه من دراسات فنية وجمالية في مجال الأدب والشعر والفن, ولما شاهدوه من منشآت معمارية قامت على أسس وقواعد جمالية.

واتخذوا من التقاليد والموروث الحضاري نهجاً لهم لتحقيق أقصى درجات الكمال؛ وذلك بالوقوف على المبادئ التي تمثلت بالإخلاص والصدق والإتقان والأمانة كونها أهدافاً أساسية سامية في مسيرتهم المنطلقة من حديث الرسول الكريم محمد – صلى الله عليه وسلم-: "إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه).

فمن هذا الحديث النبوي الشريف استلهم  الفنان (الخطاط) المسلم مبدأ الإتقان (المقياس) بوصفه الأساس الرئيس في العمل الخطي المؤدي إلى المنطق الجمالي في ميزان الخط العربي، ويتحقق ذلك نتيجة ضبط القواعد، ومراعاة الأصول الجمالية والفنية المتوالدة, كونها نتاجاً للتطور التدريجي والرصين لتلك القواعد والأصول.

تأسيساً على ما سبق،نأخذ لوحة لخطاط عراقي عصامي مُجد هو: الخطاط جاسم النجفي.

واللوحة تتمثل بشكل بيضوي يمكن إدراجه إلى صنف التراكيب ذات الأشكال الهندسية متعددة المستويات الخطية, إذ يتضمن نص هذا الشكل الآية الكريمة "رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ" (البقرة 127).

تبدأ قراءة النص من الجانب السفلي الأيمن للشكل، فاستقلالية حرف (الراء) وإخراجه بصورة منفردة، وبهيئة مرسلة حقق تتابعاً قرائياً للنص، وساعد التسلسل الصحيح لمكان الكلمات وهندستها بطريقة فنية متوالية، إذ أن كل كلمة أخذت موقعها السليم في البناء والتركيب للنص، وأبرزت تمكن الخطاط بتوزيع الحروف الصاعدة (الألفات واللامات) وتناسقها مع الخطوط المنحنية والملفوفة والمجموعة، مما كون علاقة تناسبية بين الاتجاه العمودي والاتجاه الأفقي لتأدية إيقاع حركي يقوم على كسر الرتابة المؤلفة في رسم الحروف الخطية.

أما من حيث طريقة توزيع المفردات وفق المقومات البنائية للحروف؛ فيمكن ملاحظة مهارة تصرف الخطاط بجعل حرف (الميم) من كلمة (السميع) في منتصف التركيب (نقطة مركز الشكل) مما يتيح توزيع أثقال الحروف. وللمحافظة على الشكل البيضوي للمحيط الكفافي قسم الخطاط الشكل إلى أربعة أجزاء كما في الشكل أدناه.

فقد اعتمد تغطية الإغلاق الشكلي الأول عبر الألفات المنتصبة والكاف واللام في الجانب الأيمن العلوي، وعبر  حرف (الراء) المرسل في الجانب الأيمن السفلي، وعبر اللامات من كلمة (العليم) واعتمد على ذنب (الميم) وجزء من ألف (منا) في الجانب الأيسر العلوي.

وعبر استدارة حرف (اللام) وجزء من حرف الألف في الجانب الأيسر السفلي.

واستثمر الخطاط توقيعه لتغطية المحيط الكفافي الأسفل.

كل تلك التقسيمات أدت إلى الإغلاق الشكلي البيضوي للتركيب وكما في المخطط أدناه.

 أما بالنسبة إلى دور الأسس التصميمية وعلاقاتها في عملية بناء التركيب، فقد ظهرت من خلال العلاقة الاتجاهية المتوافقة مع الجانب التعبيري للنص، وذلك كتأكيد بعدي على أجزاء مكونات النص من خلال إبراز حرف (الراء)، وتحقيقه للمقروئية، مما كان سبباً للنواة الأولى في اتجاه مسارات الكتابة في البنية الخطية وموافقتها، فيلاحظ وجود كلمتي (السميع العليم) نهاية المسار الإتجاهي والتي أخذت موقعاً يتربع على قمة التركيب، وتناسبت مع دلالته اللفظية تماماً.

بمعنى آخر: فان مفردات (ربنا تقبل منا) في النص هو فعل إنساني تبدأ من الأرض (الأدنى) ويعرج مساره نحو الأعلى بوصفه تعبيراً مجازيا للوصول إلى الحضرة الإلهية المتسامية والمتمثلة بإسميّ الله -عز وجل- وهما: (السميع العليم).

ومن خلال ما تقدم يمكن الاستدلال على مهارة الخطاط وقولبته للحروف المتشابهة والمتكررة مثل رؤوس (الألفات) ورأس (العين)، إذ يضفي هذا التكرار المتطابق وحدة تناغمية أدت إلى خلق علاقة الانسجام والوحدة والتنوع بصورة منتظمة ومتوازنة على المساحة الكلية للشكل البيضوي.

أما من حيث الخاصية الجمالية نجد أن الخطاط قد وضع الحروف كلا حسب موقعه الصحيح من حيث صفات الخط الجيد من الحروف المنتصبة التي أخذت شكلاً عمودياً متراصفة على خط القاعدة، مثل: (الألفات واللامات)، فالعمودية هنا ليس جمود الحرف وإنما دلالة استقراره بصلابة ورشاقة في الوقت ذاته، كما تضفي على التركيب رقة وعذوبة.

وتشغل أكبر مساحة ممكنة. وتلك الصفات ساعدت على توازن التركيب، والإحساس بالراحة لرؤيته.

أما الحروف ذات صفة التدوير مثل: (العين) الملفوف، و (الراء) المرسل، و (الميم) فقد أكسبت التركيب الحيوية والاستمرارية نحو ما بعدها، ولاسيما عند توزيع التدوير بشكل متناسق ما بين الحروف التي اشترك العديد منها بخصائص متماثلة في أشكالها وأحجامها من صفة الاتصال والانفصال، ونجد أن الصفات تزيد من تماسكها فيما بينها.

ويتضح مما تقدم إمكانية الخطاط في توظيف خط الثلث في التعبير عن إيحاءات ذات أبعاد دلالية للكلمة أو الحرف، عبر الموقع أو الاتجاه بصورة مباشرة أو بإشارة تعبر عمّا يحتويه النص حتى لو كان عن طريق الموقع

 
.:: جميع الحقوق محفوظة لـ : هبـــة ســـتوديو ::.