مقالات هادفة

 

بقلم/ ثائر شاكر الأطرقجي

 مكامن جمال اللوحة الخطية عند الخطاط حاكم غنام ...

 إن القراءة الأولى لأعمال الخطاط حاكم غنام تعطي انطباعاً جمالياً حدسياً ومباشراً لزهو الحبر المستخدم في تنفيذ لوحاته الخطية، ومزاوجته ما بين الحبر والورق ولون الأرضية الأمر الذي يعطي العمل قوة ونضارة في التكوين, مما يستدعي إضافة معاني ودلالات خفية تظهر عبر التآلف والتباين بين الحار والبارد، والشفافية والعتمة.

ولبيان ذلك نسلط الضوء على إحدى لوحات الخطاط حاكم غنام، وهي لنص كتبه الكثير من الخطاطين بتركيبات مختلفة .

تتضمن اللوحة تركيبة بيضوية تندرج من ضمن التراكيب ذات الأشكال الهندسية متعددة المستويات, ويعد نموذج هذه اللوحة نوعاً متطوراً عن الأشكال البيضوية الأخرى, وذلك لاحتوائه على ثلاثة أسطر كتابية متداخلة ومتشابكة فيما بينها لتظهر في النتيجة شكلاً بيضوياً واحداً .

ويمكن ملاحظة مهارة الخطاط وتوفيقه في معالجة اشتباك الحروف الكثيف وتداخلها مع بعضها من دون الإخلال بالحرف من الناحية الجمالية، أو من حيث الأسس والقواعد الفنية. تحتوي اللوحة نص الآيتين الكريمتين "هَلْ جَزَاءُ الإِحْسَانِ إِلاَّ الإِحْسَانُ * فَبِأَيِّ آلاَءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ")الرحمن 60 و61).

تبدأ قراءة اللوحة من المستوى الثاني للتركيب، ومن ثم تتشابك الحروف والكلمات بعضها مع البعض الآخر بصورة معقدة، مما يؤدي إلى صعوبة التتابع الصحيح لمفردات النص لصعودها إلى المستوى الأول للتركيب، ثم نزولها إلى المستوى الثالث.

وحقق الخطاط انسيابية عالية في طريقة رسم أشكال الحروف، حتى ليبدو أن جهداً كبيراً تم بذله في كل حرف منها، وذلك لإظهار صفات الحرف الرشيق والمصقول على الرغم من شدة التراكب والتشابك الحاصل بينها، وذلك بغية خلق علاقة تشكيلية ذات أبعاد جمالية، وخلق علاقات تصميمية كتقاطع الحروف، وتناسبها من خلال التكرار المتطابق.

لتعطي هيكلية الشكل الكلية وفق صورة يمكن أن تعبر عنها بأنها تمتاز بكثرة من العذوبة والطراوة، وذلك وفق انسجام وتناسق الحروف للمظهر الخارجي العام في الشكل من تطابق وتشابه واختلاف في آن واحد، ويتضح ذلك من حيث وضع نقطة (الباء) من كلمة (فبأي) وظهورها بهيئة دائرية، مما خلقت لنا علاقة التطابق بين الشكل الخارجي الدائري للنقطة مع الشكل العام، وعلاقة الاختلاف بوجود نقاط مربعة الشكل.

أما بالنسبة طريقة توزيع المفردات وفق المقومات البنائية للحروف، فيمكن ملاحظة تصرف الخطاط باستخدام الكاف الزنادي الصغير بدل الكاف السيفي في كلمة (ربكما) لضيق المساحة، ولاتصال حرف (الزاء) من كلمة (جزاء) للكلمة (ربكما) مما أوحى بتكامل شكل الكلمة. ولتحقيق المحيط الكفافي للشكل؛ تصرف الخطاط بوضع السكون الثقيل مع حلية الظفر الثقيل من الجانب الأيمن، ووضع الضمة الثقيلة من الجانب الأيسر.

كما استخدم التنصيل الحسن في مد حرف (الباء) في كلمة (ربكما) من جهة اليمين، ومد حرف الباء من كلمة (تكذبان) من جهة اليسار، وكذلك استثمر الخطاط توقيعه وسنة التنفيذ لإكمال الشكل البيضوي.

أما بالنسبة إلى الأسس التصميمية في الخط العربي، وعلاقته في بناء التركيب؛ فإننا نلاحظ أن الخطاط استثمر ظاهرة فيزيائية في الطبيعة، وتوظيفها في بناء لوحته: بأن جعل ثقل الكتلة الخطية أسفل اللوحة انسجاماً مع قانون الجاذبية، مما جعل قاعدة اللوحة متينة وثابتة

 
.:: جميع الحقوق محفوظة لـ : هبـــة ســـتوديو ::.