مقالات هادفة

بقلم/ ثائر شاكر الأطرقجي

 توظيف خصائص خط الثلث عند هاشم البغدادي وعباس البغدادي ...

 جاء انتعاش الخط العربي عبر سلسلة من الخطاطين الذين أفنوا زهرة عمرهم للمحافظة على أصالته المتجذرة في عمق التاريخ، وقد حملوا هذا المشعل بكل أمانة ليصل إلينا ناصعاً رائعاً.

ولم يقتصر هذا الانتعاش على أساتذة الخط المبدعين، بل تعداه إلى أسباب أخرى نذكر أهمها:

- دور القرآن الكريم الذي حفز الخطاط المسلم على تجويد الخط العربي لأجل طلب التوبة والتعبد.

- الشعور لدرجة العشق بأهمية رسم الحروف العربية.

- تشجيع وتقدير كل يد تحركت لرسم نقاط الخط وفق قواعده المتوارثة عبر الأجيال عن طريق الإفادة المباشرة (من أستاذ إلى تلميذه) أو عن طريق الإفادة غير المباشرة (المشق أي: تقليد الأصل) (1).

وقد حصل الخطاط  على حريته النسبية للوصول إلى ما يميزه فنياً عبر الانتقال من أسلوب فني لآخر سواء أكان مقلداً لأسلوب الخطاطين الكبار، أو بقصد الإحاطة العلمية والنظرية لزيادة المعرفة (2).

والمتتبع لهذه السلسلة من الخطاطين يلاحظ أنه كان للعراق حلقة ذهبية فيها، هذه الحلقة تحمل أسماءً رفدت هذا الفن بإبداعات قل مثيلها ... ومن هذه الأسماء البغداديان الشهيران: هاشم وعباس. فكلاهما حافظا على أصالة هذا الخط، وقد أبدع كلاهما الإبداع كله في توظيف خصائص خط الثلث للوصول إلى تراكيب جميلة .. ولدينا في ما يلي لوحتين تحملان نص الآية الكريمة (وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً) لهما على الرغم من الفارق الزمني بين كتابة اللوحتين والذي وصل إلى ما يقارب نصف القرن.

اللوحة (أ) للخطاط هاشم محمد البغدادي، بينما اللوحة (ب) فهي للخطاط عباس البغدادي وهما تركيبتان متناظرتان وتحققان التوازن المتماثل في المفردات الخطية.

والجدير بالعلم أنه الخطاط يهتم في العمل الخطي المتماثل بتوزيع المفردات على المحور العمودي؛ مما يجعل المتلقي يستوعب توازنات وحدات اللوحة بعضها مع بعض ومع الفضاءات الداخلية فيها .كما تتمركز جميع الوحدات في هذا النوع من التوازن على بعد متساو في كلا الجانبين، و تكون هذه الوحدات متساوية من حيث الثقل مع وحدات الجانب الآخر. ويمتاز هذا النوع من التوازن بالسكون, ولكن يمكن إضفاء الحركة والحيوية له بمساعدة العلامات الإعرابية والتزينية.

الوصف العام للوحة (أ):

 تحتوي اللوحة نص الآية الكريمة (وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً) بتركيبة دائرية متناظرة ومتماثلة في طريقة توزيع المفردات الخطية وفق علاقة التناظر المعكوس على جانبي الدائرة الأيمن والأيسر, إذ تبدأ قراءة النص من الجانب الأيمن أسفل الدائرة حيث نلحظ استقلالية حرف (الواو) المرسلة ووضوحها، وعدم تشابكها مع بقية حروف النص ومفرداته، مما جعلها سبباً في استدراج المتلقي إليها، ليتتبع بعدها بقية كلمات النص.

وقد صمم الخطاط الشكل وفق نظام تعدد مستويات الكتابة المتدرجة من الأسفل إلى الأعلى، وبطريقة متداخلة ومتشابكة حتى توحي بالتعقيد، فيطلق على مثل تلك التراكيب (بالتراكيب الثقيلة)، فانتظام ذلك التشابك والتداخل بصورة متناظرة متسلسلة حقق التسلسل القرائي الصحيح من خلال تناسق العلاقات التناسبية المتكونة بين الكلمات وأحرفها المتراكبة بعضها فوق البعض، وقد تم ذلك بشكل تصاعدي وفق علاقة التتابع التي خلقت لنا حركة تصاعدية من الأسفل إلى الأعلى، وكانت هذه الحركة مستمرة من دون انقطاع وصولاً إلى قمة الدائرة، وقد أدى ذلك إلى إضفاء التنوع والديمومة للحركة في إشغال الفضاء للشكل الدائري كما في الشكل (1).

فعند تحليلنا لهذه اللوحة يتضح وجود خط وهمي مستقيم عمودي يقسم الدائرة إلى نصفين متساويين، ليظهر لنا شكلان أحدهما بالوضع القرائي الصحيح، والآخر معكوس له بشكل متناظر, فمن هذا المنطلق اعتمد الخطاط تصميمه للشكل الدائري المعكوس للنص. ولذلك سنعمل على تشريح النصف الأيمن للشكل بوصفه نقطة انطلاق الخطاط في طريقة توزيع مفردات النص كما في الشكل (2) .

 فقد استثمر الخطاط خصائص الثلث بصفاتها الفنية لشغل مساحة نصف الدائرة للشكل؛ وذلك عن طريق تنصيل الحروف لمواقع المدات المستحسنة كما في حرف (الميم) من كلمة (وما)، وجعلها نقطة ارتكاز حرف (الواو) المجموعة. وكذلك مدة حرف (الياء) من كلمة (أوتيتم) وجعلها مركز ثقل استقرار كلمتي (من العلم) بشكل متوازن ومتراصف مع بقية مفردات التركيب عبر:

- وصل حرف إلى حرف آخر بدقة، وإشباع تام من صدر القلم كما في حرف (الميم) في كلمتي (أوتيتم والعلم).

- انتصاب الحروف الصاعدة كالألفات وتقاطعهما مع النصف الثاني للتركيب

- استدارات الحروف المدورة كحرف (النون) و(الواو)

- إجادة رسم حرف (اللام) المستلقية على ظهرها لإحداث تقاطعات متشابكة ومتضافرة للجانب العلوي للنصف الأيمن

- خلق نوع من النسيج الكتابي المتباين في الاتجاهات العمودية والأفقية المائلة للجانب الأيمن والجانب الأيسر، وظهورها كقطعة خطية واحدة ذات خصال وصفات تميل إلى الجانب التشكيلي وتكون مبناة على أسس وعلاقات تصميمية تضفي كسر الرتابة في الكتابة الخطية الاعتيادية .

 أما من حيث خصائص الثلث الفنية؛ فعمل الخطاط على توظيف خاصية تعدد هيئة الحرف الواحد كما في حرف (الواو) المرسل والمجموع، وظهور حرف (العين) الأولية (فك الأسد) متصلة بوسط الكلمة ذات الهيئة المركبة الملفوفة بدلاً من العين الوسطية.

كما حرص الخطاط على تطبيق ميزان خط الثلث من خلال:

- توفية الحروف كحرف (الميم) من كلمة (أوتيتم).

- إرسال حرف (الواو) من كلمة (وما).

- إشباع حرف (النون) من كلمة (من).

- تدقيق الحرف كما في حرف (الميم) من الكلمتين (أوتيتم والعلم).

 ومن جهة أخرى، حرص الخطاط على الحفاظ على المحيط الكفافي للشكل الدائري من خلال تصرفه بطريقة اجتهادية لحرف (الألف) من كلمة (العلم)، ورسمها بطريقة قوسية مائلة مع دوران محيط الدائرة, فضلاً عن طريقة توزيع العلامات الإعرابية والتزينية، وتصرفه بموقع (توقيع الخطاط وسنة المخطوط) في ملء الفضاءات الداخلية للحروف والكلمات في البنية الخطية لتحقيق التوازن الشكلي لعموم التركيب الدائري .

 الوصف العام للوحة (ب)

 تتضمن اللوحة (ب) تركيبة شبه بيضية لنفس النص للخطاط (عباس البغدادي).

 تبدأ قراءة النص من أسفل اللوحة صعوداً إلى أعلاها، وقد استثمر الخطاط خاصية توالد الحروف في كلمة (وما). وتعني هذه الخاصية استخراج جزء لحرف معين من حرف آخر في نفس الكلمة أو كلمة أخرى للتركيب نفسه، أو كلمة من كلمة أخرى، أو اشتقاق كلمة من نهاية حرف في كلمة أخرى. وتساعد هذه الخاصية على حل إشكالية تقليص الفضاءات الناتجة، أو على تحديد القياس لكلمات النص الكثيرة، كما تعمل على اختزال الحروف بالأجزاء المتشابهة شكلياً (كرأس الفاء والواو والقاف، ونهايات الراء والواو والنون وغيرها من بقية الحروف الأخرى)، وتخلق هذه الخاصية نوعاً من العلاقات التصميمية كالتكرار والتطابق والتشابه والوحدة في البنية الخطية، وهذا بدوره يضفي طابع الغموض المقصود أو التعقيد للتركيب من أجل الإثارة والتشويق (فهو يثير نشاط الذهن ويشد الذكاء أكثر من رؤيته كعمل خطي أو زخرفي آخر (3). وعملية الاشتقاق أو التوالد تتطلب مهارة عالية وإتقان غير عادي لقواعد وأصول الخط العربي .

لم يقم الخطاط بتنصيل حرف الياء في كلمة (أوتيتم) ولم يقم بسحب حرف الميم في كلمة (من) إلى عراقة حرف العين من كلمة (العلم) بشكل مريح، كما رفع حرف (لا) في كلمة (قليلاً) ليخرج من دائرة المحاكاة الدقيقة للوحة (أ) .

 الغاية من دراسة اللوحتين هو بيان كيفية توظيف الخطاط لخصائص الثلث في بنية خطية مبتكرة لا نظير لها في الطبيعة، وبشكل متقابل (مرآتي) مستند على خواص فنية تتمثل في المد في الحروف وتولدها، وتعدد هيئة الحرف الواحد، وخلق تنظيم مكاني صحيح ومعقد لمفردات النص اللغوية، وهذا ما أكد عليه الخطاطان في تلك اللوحتين، فضلاً عن مراعاتهما لقواعد وأصول الخط وفق قيم جمالية قائمة على أسس وعلاقات تصميمية، ومن أبرزها التكرار والتوازن اللذان يؤديان إلى علاقة التطابق التام لنصفي التركيب الدائري، وشبه البيضي المتقابل (مرآتي) والمتضاد من حيث الاتجاه القرائي لنصفي الدائرة وذلك لأغراض تزينية

----------------------------------

 (1) المشق: هي عملية تعلم الخط بإتباع الكراس لأحد الخطاطين الكبار المتقنين للقاعدة الخطية.

 (2) التمرين: إعادة كتابة الحرف الواحد مرات عدة وصولاً إلى الإتقان أو ضبط القاعدة الخطية.

 (3) مجلة فكر وفن, العدد 33, ألمانيا 1979.

 
.:: جميع الحقوق محفوظة لـ : هبـــة ســـتوديو ::.