مقالات هادفة

 

بقلم/ د. حبيب الراعي

 الخط العربي وجماليات التشكيل ...

تطور الخط العربي

تمخضت التحولات والمتغيرات التي عرفها الخط العربي، على مستوى الشكل، عن العديد من الأساليب والأنواع، بدأت بوضع القواعد والأصول، لتصل به إلى مجالات الإبداع والجماليات، وتميز خلال ذلك بالعديد من المساهمات القائمة على التأثر والتأثير خلال مدة زمنية طويلة، فقد أكد العديد من الباحثين أن أسلوب الكتابة (الهيروغليفية) عند المصريين القدماء، التي كانت تصويرية، من أقدم الكتابات التي أبدعها الإنسان، وقد أخذ الفينيقيون الكتابة عنهم، وأبدعوا خط المسند، ويسجل للعرب أنهم أول من حول وطور الكتابة التصويرية إلى كتابة مجردة، وتطور بذلك الخط السرياني، ثم الكوفي. ومن الخط الفينيقي نشأ الخط الآرامي الذي اشتُق منه الخط النبطي، وتطور لاحقاً إلى الخط الحيري والأنباري، ومنهما تطور الخط المجازي والنسخي.

في عهد الرسول (صلى الله عليه وسلم) استُعمِل الخط المكي، أو الحيري، وكانت الكتابة فيه غير مشكولة، ولا منقوطة، وكان المصحف يقرأ دون نقاط وحركات.

في العصر الأموي، وبعد توسع الدولة الإسلامية، وانضام شعوب غير عربية إليها، وحرصاً على التواصل بين المركز والأقاليم البعيدة، ولأسباب تنظيمية وإدارية بحتة من جهة أولى، وحرصاً على قراءة صحيحة وموحدة للقرآن الكريم من جهة ثانية، كُلِّف (أبو الأسود الدؤلي) من قبل أمير العراق (زياد بن أبيه)، وبطلب من الخليفة (معاوية بن أبي سفيان)، بوضع علامات تدل على القراءة الصحية، فكانت العلامات على شكل نقط، ولتمييزها دونت بلون مختلف عن لون الكتابة، ومع ذلك بقيت هناك صعوبات وإشكالية في قراءة الأحرف المتشابهة، كالباء، والفاء، والتاء، والدال، والذال. ولهذا عمد (الحجاج بن يوسف الثقفي)، في عهد (عبد الملك بن مروان) إلى تكليف (مضر بن عاصم) و(يحيى بن يعمر)، وهما من تلامذة (أبي الأسود الدؤلي) بمعالجة هذه الصعوبات، فعمدا إلى وضع نقطة للباء في أسفلها، ونقطتين للتاء، وثلاث نقاط للثاء.

و قد شهد الخط العربي الكثير من التطور والإضافات، مما أدى إلى العديد من الابتكارات وتنوع الخطوط وأشكالها، ومثلما جودت آيات القرآن الكريم، جودت الخطوط التي كتبت به تلك الآيات، وأصبحت فناً قائماً في حد ذاته، بعد أن كانت وسيلة للتواصل والتخاطب. وقد تنوع الخط الكوفي ليشمل عشرات الأنواع، منها: الأموي، والعباسي، والفاطمي، والأيوبي، والمملوكي، والأندلسي، والسلجوقي، وغيرها. ولاحقاً، استطاع الخطاط (محمد بن مقلة) إبداع ستة أنواع رئيسة للخط هي: الثلث، والنسخ، والتعليق، والريحان، والمحقق، والرقاع.

لكن يبقى من أهم ما قام به (ابن مقلة) هو وضع المقاييس والمعايير الهندسية و الجمالية للخط العربي، والبحث عن علاقات ثابتة بين الحروف بحيث يتحقق التناسب والتناسق بين الأحرف مما يمنح الكلمات والجمل تناسقاً وجمالاً، وجاء بعده (علي بن هلال بن البواب) حيث أكمل وضع قواعد الخط، وطور قواعد) ابن مقلة)، ونقحها. وجاء من بعده (جمال الدين ياقوت)، الملقب بـ (المستعصمي) الذي أكمل ما بدأه (ابن مقلة) و(البواب)، ومعه أصبح للخط العربي جمالية خاصة به، قائمة الذات منحته هويته وتفرده. وفي مرحلة لاحقة، انتقل الاهتمام بالخط العربي إلى شعوب غير عربية، فأبدعت فيه، وطورت من أشكاله الجمالية، مثل العثمانيين، والفارسيين.

لقد انتشر الخط العربي انتشاراً واسعاً، وحل الحرف العربي محل الحروف الفهلوية الفارسية، وتم تداول الكتابة العربية في الأمم التركية والتترية.

أهمية الخط والكتابة، البعد الفلسفي للخط العربي

للكتابة والكتاب مكانة كبيرة عند العرب والمسلمين، فقد قال تعالى: {إقرأ باسم ربك الذي خلق، خلق الإنسان من علق، إقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم}، والرسول الكريم، قال: "إن من حق الولد على والده أن يعلمه الكتابة". والسؤال الذي لا بد من طرحه هو: هل هناك سر في الخط العربي، والكتابة بشكل عام؟ وإذا فرضنا ذلك، فما هو البعد الفلسفي لذلك؟

بدأ الخط، عموماً، كمحاولات لوضع صور للكلام الصوتي المنطوق، الذي هو طبيعي في الإنسان، ككائن وحيد ناطق، ليصبح صوراً مرئية للصوت المسموع. ويقول (القلقشندي) بأن الكتابة التي يتخيلها الكاتب في أوهامه ويكون من خلال ذلك صور باطنية محسوسة وظاهرة، وبأن "مادة اللفظ طبيعية ومادة الخط صناعية".

و يعتبر الإنجاز الأهم للعرب في تجريد وتحويل الصور إلى أشكال مجردة ذات دلالات مادية تدل على المحسوسات، المادية والذهنية، وهذا ما يفسر الالتقاء بين الخط والكتابة، حيث لا تفريق بينهما، ويؤكد (الحبيب بيدا) أنه لا يوجد مثل هذا اللقاء في اللغة الفرنسية، إذ الفرق واضح بين (ligne) التي تعني الخط، وكلمة (calligraphie) و (1) (ecriture)

من جهة أخرى، يقوم الخط العربي على التقاء الخط المستقيم مع الدائرة وفق هندسة تقوم على التوافق والتناسق بين هذه المكونات، ولهذا قيل بأن الخط "هندسة روحية ظهرت بآلة جسدية". (2)

وإذا استعرضنا ما أنتجته الحضارة الإسلامية في العمارة والفنون التطبيقية، نجد بأن النصوص الخطية أدت دوراً تشكيلياً أساسياً، سواء كان ذلك في الجص، أو الرخام، أو الحجر، أو الزجاج، أو المعادن، أو الخزف، حيث نراها متكاملة بجمال ساحر من الناحية التشكيلية مع الشكل العام، ومع أنواع الزخارف الأخرى. ‏

الخصائص الجمالية للخط العربي

يتميز الخط العربي بالجمال القائم على تناسق الأحرف، والتآلف بين مكوناتها الهندسية (الخط المستقيم والخط المنحني)، وهذا التناسق والتآلف يقوم بشكل كامل على التقيد بالقواعد والقياس الخاصة بكل خط، ويشرح (إخوان الصفا) ذلك بوضوح: "إن أجود الخطوط، وأصح الكتابات، وأحسن المؤلفات، ما كان مقادير بعضها من بعض على النسبة الأفضل". فلنذكر ما قاله أهل هذه الصناعة، أعني صناعة الكتابة، ليكون أقوى، وأصح للحجة، وأوضح للبيان، وأرشد إلى القياس والقانون. قال "المحرر" الحاذق المهندس: ينبغي لمن يريد أن يكون خطه جيداً، وكتابته صحيحة، أن يجعل له أصلاً يبني عليه حروفه، وقانوناً يقيس عليه خطوطه. والمثال في ذلك كتابة العربية، وهو أن يخط الألف أولاً، وبأي قدر شاء، ويجعل غلظه مناسباً لطوله، وهو الثُّمن، وأسفله أدق من أعلاه، ثم يجعل الألف قطر الدائرة، ثم يبني سائر الحروف مناسبة لطول الألف ولمحيط الدائرة". (4)

ويدلل هذا الشرح بأن الخط لم يكن وسيلة لتقديم العلوم والمعارف فحسب، بل كان صناعة قائمة الذات. والمصطلح هنا يشير إلى اعتباره فناً له أصوله ومقوماته القائمة على أسس وقواعد وواضحة تدعم الخصائص الجمالية لهذا الفن، والطاقة الإبداعية له، وعلاقة ذلك بالروح الخلاقة للإنسان الذي يعطي من خلال ذلك "صورة رمزية للإنسان الكامل الذي يصبو إلى خلافة الله عز وجل على الأرض، وذلك بحمله أمانة الخلق والإبداع. . . " كما يقول (الحبيب بيدا) (5).

أي أن الشغف بفنون الخط العربي يرجع إلى توق الإنسان إلى محاكاة قدرة الخالق على خلق الجمال دون أن ينافسه.

العلامة الخطية في الفن التشكيلي

ترجع بدايات الاهتمام والاشتغال بالعلامة الخطية في الفن التشكيلي في أغلب البلدان العربية إلى فترة ما بعد الاستقلال، في محاولة للإنعتاق والاستقلال عن المرجعيات الغربية في الفن التشكيلي التي أسس لها الغرب في بلداننا العربية مع ظهور مدارس الفنون في بداية القرن العشرين. بدأت بذلك بالقاهرة عام (1908)، ثم تبعتها باقي البلدان العربية (6). وهذه أخذت بعداً أيديولوجياً، حيث جاءت كتأكيد على رغبة الفنان العربي في إثبات هويته العربية الإسلامية في مواجهة الآخر. وفي الوقت نفسه، انطوت على بعد فني، فقد أراد بعض التشكيليين العرب التأسيس لحداثة عربية تطبيقية وتنظيرية، ضمن إطار محلي يؤكد الاستقلالية والتفرد.

تعريف العلامة الخطية

هو شكل مستمد من الخط العربي بشكل أساس، ومن الرموز التراثية بشكل عام، والتي كان توظيفها التقليدي مرتبطاً بالأشياء اليومية المصنوعة وفق فلسفة لم تكن تفرق بين "الجميل" و "المفيد".

التوظيف التشكيلي للعلامة الخطية

أطلق البعض على اللوحات التي وظف فيها الخط العربي اسم "الحروفية"، وشاع استخدام هذا المصطلح في المشرق العربي، بينما استعمل في المغرب العربي مصطلح "العلامة الخطية".

وفي الحالتين، يعني ذلك تشكيل الحرف العربي، وتجريده من الدلالات اللغوية والجملة المقروءة، والتعامل معه كـ "شكل". إذاً، استلهم الفنانون العرب المعاصرون (الحرف) كعنصر جمالي يمكن تحويله إلى كائن مستقل عن الجملة، أو المعنى، وتم تجريده من قواعد كتابته الصارمة، وتحريره من العبارة، ليصبح له كيانه المستقل في العمل التشكيلي.

الرواد

تعتبر "مديحة عمر"، التي درست في كلية (الكوركوران) للفنون حتى (1950)، من أوائل الذين استخدموا الخط في لوحاتهم، وقامت بعرض أول عمل لها تستلهم فيه الكتابة العربية عام (1949)، وذلك في المعرض الدوري لمتحف (الكوركوران) في واشنطن بعنوان: (صور تجريدية للحروف العربية)، ثم أقامت معرضاً شاملاً لأعمالها الحروفية الأولى مؤرخه بعام (1946)في قاعة (الرواق) ببغداد عام (1981).

ويؤكد الفنان "جميل حمودي"، من مواليد (1924)، أنه الرائد الأول في استلهام الحرف العربي، كما يؤرخ لذلك الفنان "شاكر حسن آل سعيد" في كتابه (البعد الواحد): "كان جميل حمودي منذ عام (1947) قد اتخذ من الكلمة المكتوبة ضمن عالم اللوحة المرسومة عنصراً جديداً في البناء الفني". (7)

وقدمت الفنانة اللبنانية "سلوى روضة شقير" من مواليد (1931) لوحة استعملت فيها الحروف باسم (يا ليل) والمنفذة عام (1947).

كذلك قام الفنان "سعيد عقل" بتنفيذ أعمال بالحبر الصيني اعتمد فيها تشكيل الحرف وسماها (كتابة).

كما عرفت التجربة السودانية العديد من الأسماء، منهم "أحمد محمد شبرين" (1930)، ورفاقه "عثمان وقيع الله"، و"إبراهيم الصلحي"، إذ حاولوا توظيف الحرف العربي في إطار تشكيلي(8).

ونذكر أيضاًً تجربة الفنان "أدهم إسماعيل"، والفنان "محمود حماد" في سوريا، اللذان استخدما الخط كتشكيلات تجريدية.

أما فنانو المغرب العربي، فإنهم تأثروا بشكل واضح باستلهام الحرف من الإطار التاريخي لصفحات المخطوطات العربية والزخرفة، ونجد ذلك في أعمال الفنان التونسي "نجيب بلخوجة"، الذي مزج المعمار مع الحرف بإيقاعات هندسية.

وكذلك في أعمال المغربي "محمد المويلحي"، الذي وظف ليونة الخط وانسيابيته في أشكال تجريدية. ونذكر في الجزائر تجربة الإخوان "محمد وعمر راسم"، والفنان "سيد علي".

وفي مصر، يعتبر الفنان "حامد عبد الله" من أوائل رواد الحروفية في الخمسينات من القرن الماضي، وكذلك الفنان "عمر النجدي"، الذي اهتم بالبيئة الشعبية، واستخدم الحروف العربية في لوحاته.

وتعتبر تجربة الفنان العراقي "شاكر حسن آل سعيد"، المندرجة ضمن جماعة (البعد الواحد)، من أهم ما قدم للفن التشكيلي العربي، من حيث تماسك التجربة بشقيها التطبيقي والتنظيري.

كذلك لا بد من ذكر تجربة كلٍّ من الفنان الفلسطيني "كمال بلاطة"، والسوري "عبد القادر الأرناؤوط"، والمغربي "أحمد الشرقاوي". وهنالك "محمد سعيد الصكار"، و"ضياء العزاوي"، و"نجا المهداوي"، و"فريد بلكاهية"، و"رشيد القريشي"، وغيرهم كثيرون.

الجدل التشكيلي مع العلامة الخطية

أصبحت العلامة الخطية حاضرة في الكثير من اللوحات التشكيلية بعدما كانت مقتصرة على التزويق والزخرفة، فصارت مستقلة كشكل له كيانه وقدرته على التعبير والبناء.

بدأ الاهتمام بالعلامة الخطية فردياً في الخمسينيات والستينيات، كمحاولات لاستلهام الحرف العربي والعلامات التراثية، وتوظيفها في اللوحة. أما في نهاية الستينيات، وبداية السبعينيات، فظهرت جماعات فنية تبنت توجهات مشتركة، مثل: "جماعة البعد الواحد" في العراق، التي استلهمت الحرف الأبجدي، واتخذته محوراًً لتفجير دلالات الخط كقيمة شكلية، و"جماعة الدار البيضاء" في المغرب، و"جماعة أوشام" في الجزائر، وكذلك "مدرسة الخرطوم" في السودان. رافقت ذلك بيانات، أو مقالات، في الصحف، تدعو إلى دراسة المقومات الجمالية للفنون العربية الإسلامية الموروثة. وأهم تلك البيانات: بيان جماعة البعد الواحد في العراق، الذي تلاه "شاكر حسن آل سعيد". إضافة إلى مقالات عديدة، أهمها: لـ "بلند الحيدري" (9)، و"عفيف بهنسي" (10)، و"بدر شربل داغر" (11) ، و"الناصر بن الشيخ" (12).

كيفية تناول العلامة الخطية

إن الانتشار الواسع لاستعمال العلامة الخطية أظهر الأمر وكأنه "موضة"، خاصة بين الفنانين التجريديين، حيث شكل عند البعض حلاًً توفيقياًً يجمع بين المنحى التجريدي المعاصر، بما يحمل من دلالات غربية بالنسبة للذائقة العربية، وبين ضرورة الالتزام بالأصالة والتراث المحلي الذي كان الفنان العربي يلزم نفسه به لعدة اعتبارات. وهذا أوقع العديد من الفنانين في حالة من الاغتراب، والانفصام، وشكَّل عائقاًً وارتباكاًً على مستوى التأسيس لحداثة عربية الملامح.

ويمكن تصنيف توجهات الفنانين المشتغلين على العلامة الخطية كالتالي:

1ـ خطاطون حاولوا تحديث الخط العربي بالاعتماد على وسائل حديثة، مع التزامهم بقواعد كتابة الخط وبقوانينه الكلاسيكية المعروفة، مثل: "محمد غنوم" في سوريا.

2ـ خطاطون لم يكتفوا بمجرد التحديث، بل حاولوا تجديد الخط وأشكاله وفق تصورات جديدة تقوم على البحث والدراسة، أمثال: "محمد سعيد الصكار" في العراق، و"أحمد شبرين" في السودان، و"منير الشعراني" في سوريا.

3ـ فنانون أدخلوا الخط في لوحاتهم التشكيلية، أمثال: "يوسف سيدة"، و"جميل حمودي"، و"عمر النجدي".

4ـ فنانون حاولوا استلهام الخط دون الاهتمام بالمعنى اللغوي له، وكذلك بدون الالتزام بقواعد وأصول كتابته، بل تعاملوا معه كمعطى تشكيلي، أمثال: "رافع الناصري"، و"شاكر حسن آل سعيد"، و"محمد خدة"، و"ناصر الموسى"، و"محمود حماد"، و"نجيب بلخوجة"، و"الناصر بن الشيخ".

الخط العربي وإشكالية الأصالة والمعاصرة

استند التعامل مع الخط العربي والعلامة الخطية في الفن التشكيلي إلى خطاب الأصالة والمعاصرة، الذي طُرح بقوة في السبعينيات من القرن العشرين، حيث أثر بشكل حاسم على مجمل الفنون، وخاصة التشكيلية منها.

وقد عمد كثير من الفنانين العرب إلى اعتماد الخط والحرف كأداة للتشكيل في أعمالهم، وشجع على هذا التوجه مباركة الجهات الرسمية له، خاصة في دول الخليج والسعودية على وجه الخصوص.

ويحاول الخطاب أساساًً إيجاد حل لحالة الإحباط، ويدعو للنهضة العصرية لفترة ما بعد الاستعمار، بمعنى آخر: كيف تستطيع أن تكون معاصراً ومنفتحاً، وفي الوقت نفسه أصيلاً؟

يؤكد الدكتور "محمود شاهين" ضرورة الاعتراف بأن: "المنجز البصري الحروفي العربي المعاصر كان، ولا يزال، وسيبقى، إشكالية مفتوحة ومستمرة. تماماًً كما هو حال مفهوم الفن، وماهيته، واتجاهاته، ومدارسه..." (13). والأعمال التي تبنت خطاب الأصالة والمعاصرة تفاوتت كثيراً في ما بينها، فمنها ما كان محتشماً، ومنها ما كان ساذجاً، وآخر كان توفيقياً فجاً. وهنالك من طرح تلك الإشكالية بشكل مبرر ومقنع من الوجهة التشكيلية. ويحدد الدكتور "عفيف بهنسي" في كتابه جمالية الفن العربي" مقومات الأصالة، كالآتي:

1- رفض كل أشكال الفن الدخيل.

2ـ استنباط واستخدام الخصائص المميزة للتراث.

3- تقديم هذه الخصائص ضمن أعمال تشكيلية معاصرة.

إن العنصرين الثاني والثالث يعتبران جوهر التوجه للتأصيل في الفن التشكيلي، ويطرحان في الوقت نفسه إشكالية حقيقية في كيفية تناولهما من النواحي العملية.

إن الأصالة، كمفهوم، تلتقي مع الإبداع، ولهذا يصعب أن تضبط في اشتراطات منغلقة على ذاتها.

ومن خلال استعراض الكثير من آراء المفكرين والمنظرين، وحتى الفنانين، يتضح مدى الالتباس الحاصل في مفهوم "الأصالة"، ونتبين كذلك أن المسألة مازالت مفتوحة على المساجلة والخلاف.

لذلك، يبدو أن هذا المفهوم الخلافي لا يمكن أن يتحقق في الفن التشكيلي بمجرد وجود علامات خطية مستمدة من الموروث المحلي لهذه المنطقة العربية، أو تلك.

ويذكر "فاتح بن عامر": " إن الأصالة لا تتحقق من خلال وجود العلامات وتوظيفها، بقدر ما تتحقق من خلال تكامل جوانب الرؤية وتواصل إبداعيتها وطرافتها. " (14).

وذلك لا يتحقق إلا من خلال نضج الخطاب المتجسد برؤية واضحة المعالم، متحققة من خلال تراكم الوعي. وطبعاً كل ذلك بالتوازي مع اشتغال جاد على إشكاليات العمل الفني، وفهم عميق لمكوناته، والتي ستحمل عندئذ أبعاداًً فيها الكثير من المغايرة والتمايز عن "الآخر التشكيلي"، وكذلك تحقق تمايزاً يتعلق بالهوية المحلية، وكل ذلك دون افتعال، أو تلفيق؟

المراجع:

(1) الحبيب بيدا، الخلفية الفلسفية والجمالية للخط العربي، جريدة الصحافة، 4 كانون الثاني 2001، تونس.

(2) أبو حيان التوحيدي، رسالة الكتابة.

(3) إخوان الصفا، الرسائل، الجزء الأول، ص167.

(4) إخوان الصفا، المرجع السابق.

(5) الحبيب بيدا، المرجع السابق.

(6) عفيف بهنسي، الفن الحديث في البلاد العربية، دار الجنوب للنشر/ اليونسكو، 1986.

(7) محسن الذهبي، الحروفيون العرب.. الريادة والهوية، موقع إلكتروني:www. alnoor. se ، 4/11/2007.

(8) فاتح بن عامر، العلامة الخطية التراثية في الفن المغاربي المعاصر، بحث شهادة الدراسات المعمقة، جامعة تونس الأولى، 1999 ـ 2000، تونس.

(9) بلند الحيدري، زمن لكل الأزمنة، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، 1981.

(10) عفيف بهنسي، الفن الحديث في البلاد العربية، دار الجنوب للنشر/ اليونسكو، 1986.

(11) شربل داغر، الحروفية العربية، شركة المطبوعات للتوزيع والنشر، بيروت، 1989.

(12) الناصر بن الشيخ، التراث الفني الإسلامي والمدرسة العربية للرسم الحديث، مقال شارك فيه في الملتقى الثقافي العربي للأنماط المعاصرة في الفنون التشكيلية بالحمامات، 1972، تونس.

(13) محمود شاهين، المنصوص والمبصور في المرسومات الخطية العربية، ملحق الثورة الثقافي، مؤسسة الوحدة، عدد 617 ، 14/10/2008دمشق.

(14) فاتح بن عامر، المرجع السابق

 
.:: جميع الحقوق محفوظة لـ : هبـــة ســـتوديو ::.