كيفية تناول العلامة الخطية
إن الانتشار الواسع
لاستعمال العلامة الخطية أظهر الأمر وكأنه "موضة"، خاصة بين الفنانين
التجريديين، حيث شكل عند البعض حلاًً توفيقياًً يجمع بين المنحى التجريدي
المعاصر، بما يحمل من دلالات غربية بالنسبة للذائقة العربية، وبين ضرورة
الالتزام بالأصالة والتراث المحلي الذي كان الفنان العربي يلزم نفسه به لعدة
اعتبارات. وهذا أوقع العديد من الفنانين في حالة من الاغتراب، والانفصام،
وشكَّل عائقاًً وارتباكاًً على مستوى التأسيس لحداثة عربية الملامح.
ويمكن تصنيف توجهات
الفنانين المشتغلين على العلامة الخطية كالتالي:
1ـ خطاطون حاولوا تحديث
الخط العربي بالاعتماد على وسائل حديثة، مع التزامهم بقواعد كتابة الخط
وبقوانينه الكلاسيكية المعروفة، مثل: "محمد غنوم" في سوريا.
2ـ خطاطون لم يكتفوا بمجرد
التحديث، بل حاولوا تجديد الخط وأشكاله وفق تصورات جديدة تقوم على البحث
والدراسة، أمثال: "محمد سعيد الصكار" في العراق، و"أحمد شبرين" في السودان،
و"منير الشعراني" في سوريا.
3ـ فنانون أدخلوا الخط في
لوحاتهم التشكيلية، أمثال: "يوسف سيدة"، و"جميل حمودي"، و"عمر النجدي".
4ـ فنانون حاولوا استلهام
الخط دون الاهتمام بالمعنى اللغوي له، وكذلك بدون الالتزام بقواعد وأصول
كتابته، بل تعاملوا معه كمعطى تشكيلي، أمثال: "رافع الناصري"، و"شاكر حسن آل
سعيد"، و"محمد خدة"، و"ناصر الموسى"، و"محمود حماد"، و"نجيب بلخوجة"، و"الناصر
بن الشيخ".
الخط العربي وإشكالية
الأصالة والمعاصرة
استند التعامل مع الخط
العربي والعلامة الخطية في الفن التشكيلي إلى خطاب الأصالة والمعاصرة، الذي
طُرح بقوة في السبعينيات من القرن العشرين، حيث أثر بشكل حاسم على مجمل الفنون،
وخاصة التشكيلية منها.
وقد عمد كثير من الفنانين
العرب إلى اعتماد الخط والحرف كأداة للتشكيل في أعمالهم، وشجع على هذا التوجه
مباركة الجهات الرسمية له، خاصة في دول الخليج والسعودية على وجه الخصوص.
ويحاول الخطاب أساساًً
إيجاد حل لحالة الإحباط، ويدعو للنهضة العصرية لفترة ما بعد الاستعمار، بمعنى
آخر: كيف تستطيع أن تكون معاصراً ومنفتحاً، وفي الوقت نفسه أصيلاً؟
يؤكد الدكتور "محمود شاهين"
ضرورة الاعتراف بأن: "المنجز البصري الحروفي العربي المعاصر كان، ولا يزال،
وسيبقى، إشكالية مفتوحة ومستمرة. تماماًً كما هو حال مفهوم الفن، وماهيته،
واتجاهاته، ومدارسه..." (13). والأعمال التي تبنت خطاب الأصالة والمعاصرة
تفاوتت كثيراً في ما بينها، فمنها ما كان محتشماً، ومنها ما كان ساذجاً، وآخر
كان توفيقياً فجاً. وهنالك من طرح تلك الإشكالية بشكل مبرر ومقنع من الوجهة
التشكيلية. ويحدد الدكتور "عفيف بهنسي" في كتابه جمالية الفن العربي" مقومات
الأصالة، كالآتي:
1- رفض كل أشكال الفن
الدخيل.
2ـ استنباط واستخدام
الخصائص المميزة للتراث.
3- تقديم هذه الخصائص ضمن
أعمال تشكيلية معاصرة.
إن العنصرين الثاني والثالث
يعتبران جوهر التوجه للتأصيل في الفن التشكيلي، ويطرحان في الوقت نفسه إشكالية
حقيقية في كيفية تناولهما من النواحي العملية.
إن الأصالة، كمفهوم، تلتقي
مع الإبداع، ولهذا يصعب أن تضبط في اشتراطات منغلقة على ذاتها.
ومن خلال استعراض الكثير من
آراء المفكرين والمنظرين، وحتى الفنانين، يتضح مدى الالتباس الحاصل في مفهوم
"الأصالة"، ونتبين كذلك أن المسألة مازالت مفتوحة على المساجلة والخلاف.
لذلك، يبدو أن هذا المفهوم
الخلافي لا يمكن أن يتحقق في الفن التشكيلي بمجرد وجود علامات خطية مستمدة من
الموروث المحلي لهذه المنطقة العربية، أو تلك.
ويذكر "فاتح بن عامر": " إن
الأصالة لا تتحقق من خلال وجود العلامات وتوظيفها، بقدر ما تتحقق من خلال تكامل
جوانب الرؤية وتواصل إبداعيتها وطرافتها. " (14).
وذلك لا يتحقق إلا من خلال
نضج الخطاب المتجسد برؤية واضحة المعالم، متحققة من خلال تراكم الوعي. وطبعاً
كل ذلك بالتوازي مع اشتغال جاد على إشكاليات العمل الفني، وفهم عميق لمكوناته،
والتي ستحمل عندئذ أبعاداًً فيها الكثير من المغايرة والتمايز عن "الآخر
التشكيلي"، وكذلك تحقق تمايزاً يتعلق بالهوية المحلية، وكل ذلك دون افتعال، أو
تلفيق؟
المراجع:
(1) الحبيب بيدا، الخلفية
الفلسفية والجمالية للخط العربي، جريدة الصحافة، 4 كانون الثاني 2001، تونس.
(2) أبو حيان التوحيدي،
رسالة الكتابة.
(3) إخوان الصفا، الرسائل،
الجزء الأول، ص167.
(4) إخوان الصفا، المرجع
السابق.
(5) الحبيب بيدا، المرجع
السابق.
(6) عفيف بهنسي، الفن
الحديث في البلاد العربية، دار الجنوب للنشر/ اليونسكو، 1986.
(7) محسن الذهبي، الحروفيون
العرب.. الريادة والهوية، موقع إلكتروني:www. alnoor. se ، 4/11/2007.
(8) فاتح بن عامر، العلامة
الخطية التراثية في الفن المغاربي المعاصر، بحث شهادة الدراسات المعمقة، جامعة
تونس الأولى، 1999 ـ 2000، تونس.
(9) بلند الحيدري، زمن لكل
الأزمنة، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، 1981.
(10) عفيف بهنسي، الفن
الحديث في البلاد العربية، دار الجنوب للنشر/ اليونسكو، 1986.
(11) شربل داغر، الحروفية
العربية، شركة المطبوعات للتوزيع والنشر، بيروت، 1989.
(12) الناصر بن الشيخ،
التراث الفني الإسلامي والمدرسة العربية للرسم الحديث، مقال شارك فيه في
الملتقى الثقافي العربي للأنماط المعاصرة في الفنون التشكيلية بالحمامات، 1972،
تونس.
(13) محمود شاهين، المنصوص
والمبصور في المرسومات الخطية العربية، ملحق الثورة الثقافي، مؤسسة الوحدة، عدد
617 ، 14/10/2008دمشق.
(14) فاتح بن عامر، المرجع
السابق