عندما تتزاحم عليك التفاصيل، تتفتح
كل نمنمة عن ممالك وملوك أو تمسك بتلابيبك الألوان
والأصوات، وتحوم حولك الوجوه والعبارات.. خذ عين
الطائر ثم حلق عالياً لترى هذا العالم الذي
استأنسه العربي واستدرجه إلى الحرف.
قال "ابن عباس": "الخط لسان
اليد"! وقال "علي بن أبي طالب": "الخط الجميل يزيد الحق وضوحاً". وهكذا فإن
فصاحة اللسان تتطلب فصاحة اليد، والحق يحتاج في إقناعه إلى الجمال.
وإذا كان القراء قد اهتموا
بتجويد القرآن وتعدد قراءاته فقد اهتم الكتاب أيضا وبالدرجة نفسها بتجويد الخط
وتعدد أنواعه.
وقد بلغ من اهتمام النبي
عليه السلام بالكتابة أنه كان يطلق الأسير من الكتّاب إذا قام بتعليم عشرة من
أولاد المسلمين القراءة والكتابة.
اكتسب الحرف العربي في
عناقه مع القرآن قوة إيمانية هائلة. يقول "أرنولد توينبي" المؤرخ الإنجليزي
الشهير: "لقد انطلق الخط العربي الذي كتب به القرآن غازياً ومعلماً مع الجيوش
الفاتحة إلى الممالك المجاورة والبعيدة، وأينما حل أباد خطوط الأمم المغلوبة".
فكتب به الإيرانيون لغتهم الفارسية، وكتب به الهنود لغة الأوردو، كما كتب به
العثمانيون لغتهم التركية، ومنذ قرر الخليفة "عثمان" نسخ القرآن، وإرسال مصاحفه
السبعة إلى أطراف الإمبراطورية الإسلامية، أصبحت كتابة المصحف نوعاً من التبرك،
وطقساً من طقوس العبادة، حتى أن "ابن البواب"، وهو واحد من رواد الخط العربي،
نسخ بيده أربعة وستين مصحفاً، وبلغ عدد المصاحف التي كتبها "الحافظ عثمان"
التركي (107) مصاحف.
في البدء
كانت "الحيرة"
سوف تدهش، مثلي، للتفسيرات
التي تطوع بها القدماء، لظهور الحرف العربي، هناك من يقول إن ملوك "مدين" هم
الذين وضعوا الحروف العربية، وضعوها حسب أسمائهم: أبو جاد "أبجد" وهواز "هوز"
وهكذا "حطي" و"كلمن" وهلم جرا. وهناك من يقول: بل أولاد النبي "إسماعيل" هم
الذين وضعوا الحروف، ويصل الأمر إلى حد القول بأن عبداً ضخماً هو "ابن إرم بن
سام بن نوح" نزل بالطائف، وكان أول من كتب العربية.
ولكن للبحوث العربية رأياً
آخر. فمن المؤكد أن أقدم أشكال الخط العربي مشتق من الكتابة النبطية، والنبطيون
عرب كانوا يعيشون في شمال الجزيرة العربية، ولأسباب تتعلق بالنشاط التجاري
استعملوا اللغة الآرامية، واستخدموا نوعاً من الخطوط الآرامية في الكتابة. ولكن
الغزو الروماني في أول القرن الثاني جعلهم يبدأون في إحلال لهجتهم العربية في
النصوص المكتوبة بدلا من اللغة الآرامية، كما بدأت الأبجدية النبطية منذ تلك
الفترة في التحول إلى الأبجدية العربية. ويتضح ذلك من خلال النقوش النبطية في
"سيناء" والتي يرجع تاريخها إلى القرنين الثالث والرابع الميلاديين، فالنصوص
ذات لهجة عربية قديمة، متأثرة بالآرامية، ومكتوبة بالأبجدية النبطية، أما
مميزات وخصائص الكتابة العربية؛ فقد ظهرت في نقش "زيد" (512 م) ونقش "حران"
(568 م) وكلها مكتوبة بلغة عربية نقية.
وقد نشأت الخطوط العربية من
شكلين رئيسيين الأول: من الكتابة المحفورة على مواد صلبة، ويتميز بصلابة خطوطه،
ومن هذا نشأ الخط الكوفي الذي تميز بتنظيمه الهندسي، وقد تعلمه العرب من
العراق، وكان يعرف قبل الإسلام بالخط " الحيري" نسبة إلى الحيرة، وهي مدينة غرب
العراق، بنى المسلمون "الكوفة" بجوارها. أما الثاني فهو الخط "النبطي" وكان
أكثر ليونة ورشاقة من الخط الكوفي. هذان الخطان إذن - النبطي والكوفي - هما
أصلا الخط العربي.
ولكن من الذي أطلق على
"الخط الحيري" اسم الخط الكوفي؟
لقد تأخرت التسمية حتى
القرن الرابع الهجري، وورد الاسم لأول مرة في كتابات "أبي حيان التوحيدي".
كانت آلة الكتابة هي القصب
"البوص" تقطع بنظام معين، وزاوية معينة، وقد قام "قطبة المحرر"، في القرن
الثالث الهجري، باختراع قلم "الجليل الشامي" وهو قلم عرضه عرض 24 شعرة من شعر
ذيل الحصان، فأصبح مقياساً للأقلام كمقياس الذهب 24 قيراطاً ومن قلم "الجليل
الشامي" تفرعت الخطوط.