الخطوط
الكوفية الزخرفية
تعود تسمية هذا الخط إلى
مدينة الكوفة العراقية التي أصبحت في خلافة الإمام "علي بن أبي طالب" (رضي الله
عنه) عاصمة للعالم الإسلامي، وأخذت موقعها الحضاري والتاريخي، ومن بين ما اهتمت
به الشؤون الثقافية والفنية، فكان الخطاطون والخط العربي في مقدمتها، وأدي هذا
الاهتمام إلى تفجير الطاقات الفنية والإبداعية لدي الخطاطين، فشهد الخط فيها
طفرة كبيرة من التلون والإبداع، فتنوعت أشكاله، وتعددت صوره، وغدت له مسحة
زخرفية رائعة شكلت المحاولات الأولى لظهور الخط الكوفي الذي اقترن باسم هذه
المدينة، لأنه ابتكر ونضج فيها، ولم يكن له وجود من قبل، وقد انتفع الفنان
العربي من خصائص الخط الكوفي المستمد من جماله الزخرفي، وتناسب حروفه واتزانها
وتناسقها وصلابتها ويبوسها، فانتفع منها أحسن انتفاع، وذلك باشتقاقه أنواع أخرى
منها "الكوفي المورق"؛ ويعرف عن هذا النوع من الخط بأن الكتابة تخرج من أطراف
حروفها سيقان نباتية دقيقة، وتزخرف نهاياتها ورقة نباتية تمتد إلى أبدان الحروف
نفسها، مما يعطيها صفة جمالية مضافة.
وقد انتشر هذا الخط في شتى
أنحاء العالم الإسلامي، وتطور من الكوفي نوع آخر وهو "المزهر"؛ ويقوم هذا الخط
علي تحوير الورقة النباتية التي عرفت في الخط المورق إلى ورقتين تتألف من فصوص
ثلاثية يحتضنها الغصن النباتي الذي يخرج من رؤوس ونهايات الحروف، ثم يمتد
بعيداً عن مكان اتصاله بالحروف، وينثني قليلاً بعدما تنشق أوراقه لتزين
بالأزهار، ويعتبر هذا الخط في نظر المختصين وعلماء الآثار العربية الإسلامية
ابتكاراً من ابتكارات العرب المهمة، وإضافة جديدة للفنون المزدهرة في الحضارة
العربية الإسلامية.
أما النوع الثالي من الكوفي
فهو "المضفور"؛ الذي يتميز عن غيره من الخطوط الأخرى بتكون زخرفته من ترابط
حروفه مع بعضها في تداخل وتشابك، كما يميل إلى التعقيد إلى حد يكاد يذهب بمعالم
الكتابة بحيث تصعب قراءتها في بعض الأحيان، ولا يمكن للقارئ أن يعرف أين تبدأ
الكلمة وأين تنتهي، أما النوع الأخير من أنواع الخط الكوفي هو الخط "الصوري"؛
الذي ينحو فيه الفنان منحىً جديداً وذلك من خلال الاستعانة بصور الإنسان
والحيوان والنبات، ليتخذ منها أشكالاً كتابية، ويعتمد أحياناً في رسمه للحروف
أجزاءً من جسم الإنسان كاليد أو الساق أو الكف أو العين أو غيرها، ويتخذ في
مرات أخرى رسوم بعض الحيوانات للدلالة علي حروف معينة, ويعد هذا النوع من أهم
مراحل تطور الخط العربي.
ولم يقف الفنان العربي عند
هذا الحد من وسائل التعبير الصوري في فن الكتابة؛ بل حاول أن يبتكر صوراً
أخرى،وما زالت المتاحف والمكتبات العربية والعالمية تحتفظ بالأعداد الكبيرة من
التحف التي تزينها الخطوط الكوفية الزخرفية التي أنتجتها أنامل ذلك الفنان، كما
تحتفظ الأبنية والعمائر بأجمل النماذج لاسيما المساجد والأضرحة والقصور
والمدارس الأثرية في الأقطار التي كانت تحت السيطرة العربية، وهنا يؤكد الفنان
العربي مرة أخري عمق تجربته الفنية، وسعة أفقه وعطائه، وتواصل إبداعه عبر
الأجيال
