معرفة الكتابة خطوة واسعة خطتها البشرية
وهي تتحسس موقع أقدامها على درب الحياة الطويل،
وهي حدث يمكن أن يُعدُّ بداية لتاريخ مرحلة ما من
مراحل الحياة البشرية، فالكتابة ظاهرة إنسانية
عامة بدأت رحلتها منذ القدم، واحتاج هذا الاختراع
إلى تعديلات وتحسينات لا تحصى، وسعى كثير من
الباحثين إلى معرفة كيف ومتى تم اختراع الألفباء،
وليس بمقدور أحد حتى الآن أن يعرف اسم أول شعب
أطلق على الحروف أسمائها! لكن الدراسات تؤكد أن
رحلة الكتابة مرت بخمسة أطوار رئيسة هي:
1- الطور الصوري: عندما
كانت ترسم المادة عيناً.
2- الطور الرمزي: من خلال
استنباط صور ترمز إلى المعنى.
3- الطور المقطعي: وهو الذي
يمثل مرحلة بدء الكتابة في تهجئة الكلمات لا علاقة لها بالصورة نفسها، وإنما
بأسمائها من أجل استخدامها في كتابة الكلمات والجمل، فيكوَّن كل منها مقطعاً
وليس حرفاً.
4- الطور الصوتي: وهو الذي
يمثل استخدام صور أشياء يتألف من هجائها الأول لفظ الكلمة المعينة، فمثلاً صورة
الكلب ترمز إلى (ك) وصورة الغزال ترمز إلى (غ) وهكذا.
5- الطور الهجائي: وذلك عندما
اشتدت الحاجة إلى التقدم لتعلم الكتابة، فابتدع البشر علامات تشبه المسامير
العمودية والمائلة والأفقية بلغت (600) علامة، ثم اختصرت إلى ما بين (100-150)
علامة.
ثم واصلت تطورها إلى أن وصلت
إلى ما هي عليه الآن.
أما أشكال الخطوط العربية
فإنها أيضاً مرت برحلة طويلة، وأول من كتب فيها هو العالم (أبو حيان التوحيدي)
المتوفى سنة (400هـ) في رسالته عن علم الكتابة، والتي تُعدُّ أقدم ما كتب ونشر
عن الخطوط العربية وقواعدها، حيث قال فيها:
"والكاتب يحتاج إلى سبعة معان: الخط المجرد (بالتحقيق)، والمحلى (بالتحديق)
والمجمل (بالتحويق)، والمزين (بالتخريق)، والمسنن (بالتشقيق)، والمجاد
(بالتدقيق)، والمميز (بالتفريق) فهذه أصوله وقواعده المتضمنة لفنونه وفروعه".
وقال أيضاً: "وملاك الأمر تقويم إعجاز السطور،
وتسوية هوادي الحروف، وحفظ التنسيق، وقلة العجلة، وإظهار القدرة في عرض
الاسترسال، وإرسال اليد في طي الاقتدار".
وقال عن قول سعيد بن حميد الكاتب: "من أدب الكاتب
أن يأخذ القلم في أصلح أجزائه، وأبعد ما يمكن من موضع المداد فيه، ويعطيه من
أرض القرطاس خطه، ولا يكتب بالطرف الناقص من سنه، ويضعه على عيار قسطه، ويصوره
بأحسن مقاديره حتى لا يقع التمني لما دونه، ولا يخطر بالبال شأو ما فوقه،
ويعدله في شطره، ويشبهه مما يأتي من شكله، ويقرن الحرف بالحرف على قياس ما مضى
من شرطه في تقريب مساحته، وتبعيد مسافته، ولا يقطع الكلمة بحرف يفرده في غير
سطره، ويسوي أضلاع خطوط كتابه، ولا يجليه بما ليس من زيه، ولا يمنعه ما هو له
بحقه، فتختلف حليته، وتفسد قسمته".
وإذا كان الخط العربي من الفنون العربية
الإسلامية التي سخرت في خدمة الدين الإسلامي، وشحذ المسلمون أذهانهم وملكاتهم
من أجل الإبداع فيه وتطويره وتحسينه، فإن الذي ساعد على سرعة تطوره وهندسته
الشعور المرهف، والخيال المجنح، والعقول النيرة الناضجة، فاخترعت أنواع مختلفة
من الخطوط مما أثار الإعجاب والدهشة والتقدير.
وقد اختلف الناس في أول من وضع الخط العربي، وذكر
ابن النديم في كتابه "الفهرست" أكثر من خمسة آراء حول ذلك.
ويبدو تطور الخط العربي
والإبداع فيه من خلال تلك الرحلة التي مرَّ بها إلى أن وصل إلى ما وصل إليه من
فن جميل، وروعة هندسية لا يمكن أن توجد في أي خط آخر، حيث انطلق الخط العربي
الذي كتب به القرآن الكريم غازياً ومعلماً مع الجيوش الفاتحة إلى العالم
المجاور والبعيد، وأينما حل قضى على خطوط تلك الأمم.
إن جمال هذا الخط لم يكن ليتحقق لولا هذا الجهد
الذي بذله أولئك الأعلام من خلال رغبتهم في الارتقاء بهذا الفن الجميل، ولكي
نعرف هذا القدر من الجهد علينا أن نقارن بين ما كان عليه الخط العربي في بدايته
الأولى وبين ما هو عليه الآن من جمال هندسي وروعة في اختيار الرسم، ولنستعرض
تلك الرحلة الطويلة التي مر بها هذا الحرف العربي الأصيل.
بدأت هذه الرحلة من خلال الحديث عن أدوات الكتابة،
حيث وردت بالاسم في مواضع متعددة من القرآن الكريم في أكثر من موضع، منها
(القلم) كما في قوله تعالى: {ن والقلم وما يسطرون} القلم (الآية: 1)، ومنها
(الرق) كما في قوله سبحانه: {والطور وكتاب مسطور في رق منشور} الطور (آية: 2)،
ومنها (القرطاس) كما في قوله سبحانه: {ولو نزلنا عليك كتاباً في قرطاس فلمسوه
بأيديهم} الأنعام (الآية: 7)، ومنها (المداد) كما في قوله جل شأنه: {قل لو كان
البحر مداداً لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي} الكهف (الآية: 9)،
ومنها (المسطور) كما في قوله تعالى: {كان ذلك في الكتاب مسطوراً} الإسراء
(الآية: 58)، وسماها (الصحف) كما في قوله جل شأنه: {إن هذا لفي الصحف الأولى}
الأعلى (الآية: 18)، ومنها (الكتاب) كما في قوله سبحانه: {أم لكم كتاب فيه
تدرسون} القلم (الآية 37).
كل هذه الآيات وغيرها تبين لنا أن هناك العديد من
مواد الكتابة وأدواتها كانت معروفة، واستمرت في الاستعمال لفترات مختلفة، ثم
أدخل عليها التطوير والتجويد والتحسين، لتصبح فيما بعد صناعة متكاملة، وصلت
أعلى درجة من الكمال عندما انتشرت دواوين الكتابة والنسخ والتي أطلق عليها
(دواوين الوراقين)، ثم دخلت مرحلة أخرى من التطور عندما استطاعت تلك الدواوين
أن تجمع بالإضافة إلى أصحاب المهنة عدد من الشعراء والعلماء والكتاب والمؤلفين
والمترجمين، مما كان له أثر واضح في الارتقاء بمستوى الخط العربي والاهتمام به،
ودوره في خدمة العلم والمعرفة، وجعله واحداً من الفنون الإسلامية الجميلة.
ثم نتحول في هذه الرحلة إلى الحديث عن (القلم)
بصفة خاصة، حيث يمثل القاعدة الأساسية في الخط العربي، مشيرين إلى أن العرب
كتبوا بأقلام مختلفة، منها على سبيل المثال: (السعف، لب الجريد الأخضر، القاب،
العاج، القصب الفارسي والعادي، الريشة) وغير ذلك من الأدوات، وإن كان القصب
العادي يمثل الأداة الرئيسة في الكتابة منذ فجر الإسلام إلى وقتنا الحاضر، ولا
شك أن حسن الخط ووضوحه يرجع إلى مقدرة الكاتب على الكتابة، وإلى نوعية القلم
المستعمل من خلال) ريشة القلم) التي تسمح بانتقال الحبر من القلم إلى الورق
بقوة اندفاع محدودة، وقد تحدث الخطاطون في مختلف العصور عن نوعية القلم
المستعمل في الكتابة، وهناك العديد من القصائد وأبيات الشعر التي نظمت في الخط
وأدواته، قالها الشعراء والأدباء والخطاطون، ومن بين هذه القصائد قصيدة للخطاط
البغدادي "ابن البواب" (المتوفى سنة 413 هـ)، منها:
يا من يريد إجادة التحرير
ويروم حسن الخط والتصوير
انظر إلى طرفيه، واجعل بريه من جانب
التدقيق والتحفير
واجعل لجلفته قواماً عادلاً
يخلو من التطويل والتقصير
إلى أن يقول:
لا تخجلن من الرديء تخطه في
أول التمثيل والتسطير
فالأمر يصعب ثم يصبح هيناً
ولرب سهل جاء بعد عسير
لقد مرت رحلة الخط العربي
بمراحل متعددة خلال القرون الماضية، جعلته ينتقل من مرحلة إلى أخرى، إلى أن
تكامل وأصبح وحدة فنية رائعة مرتبطة بحاجات العرب الحضارية والفكرية، وكان
القرن الثالث أهم قرن بالنسبة لتطور الخط العربي، عندما هندس "ابن مقلة"
(المتوفى سنة 328هـ) حروف الخط الكوفي، ورسمها بالخط الجديد بنسب محددة
الأبعاد، ثم جاء بعده جماعة أسهموا مساهمة فاعلة في الخط مثل "ابن عبد السلام"
و"ابن البواب"، ثم جاء "ياقوت المستعصمي" الذي وصل بالخط حداً من الإتقان
والروعة والرشاقة والجمال حتى عده بعضهم أستاذ الخطاطين، ثم جاءت بعد ذلك خطوط
كثيرة سميت بأسماء القلم، وتعددت أنواعها، كخط الثلث، وخط المصاحف المحقق، وخط
النسخ ... وغيرها، وظهر خطاطون أفذاذ في مختلف أرجاء العالم الإسلامي، تفننوا
في كتابة الحرف العربي، وأحسنوا صوره، وأبدعوا في رسومه، وهذبوا قواعده، وقد
اشتهر من هؤلاء الخطاط المعروف "بابن الشيخ"، و"الحافظ عثمان"، و"مصطفى راقم"،
و"حامد الآمدي"، و"هاشم البغدادي".
إن الخط العربي يمثل تأريخاً للفن العربي
والإسلامي، وسجلاً مهماً لتطور هذا الفن، والمراحل التي مر بها، حيث يوضح أن
العرب لم يكتفوا بتطور هذا الخط من حيث الشكل فقط، وإنما كتبوا فيه الدراسات
المتنوعة كعلم من العلوم، ومن يقرأ كتاب (الفهرست) "لابن النديم" يجد مبلغ
العناية في علم الخط، حيث أفرد لذلك مقالة خاصة وصف فيها لغات الأمم، ونعوت
أقلامها، وأنواع خطوطها، وأشكال كتاباتها، كما يلاحظ إقبال المسلمون في عهدهم
الزاهر على فن الخط العربي إقبالاً شديداً، حيث اتخذوه أداة وفناً رفيعاً
يجودون به روائع حكمهم ومأثورات أقوالهم، فتنوعت أشكاله، وتعددت أنواعه، وعده
بعضهم من الفنون التي يمدح بها صاحبها، فقد قال الإمام علي رضي الله عنه:
"عليكم بحسن الخط فإنه من مفاتيح الرزق"، وقال العلامة ابن خلدون: "الخط رسوم
وأشكال حرفية تدل على الكلمات المسموعة على ما في النفس"، وقال أحد الشعراء:
تعلم أصول الخط يا ذا التأدب فما
الخط إلا زينة المتأدب
فإن كنت ذا مال فحظك زينة وإن كنت
محتاجاً فأفضل مكسب
كما ألف بعض الشعراء، أراجيزاً في الكتابة، ومن
أشهر ما كتب في ذلك (أرجوزة النسابة الوضاحة لأصول الكتابة) للشيخ/ "عبدالقادر
الصيداوي" ونسختها المخطوطة بقلم "محمد الأزهري" (سنة 1157هـ)، والتي مطلعها:
الحمد لله الذي أجرى القلم وزاده
فخراً بإجراء القسم
قال تعالى فيه: نون والقلم
وعلم الإنسان مالم يعلم
ثم تحدث فيها عن القلم وطريقة اختياره وصفته
وطوله، وعن الخط وأصوله وفروعه، ومسكة القلم، ثم انتقل إلى طريقة الجلوس أثناء
الكتابة، والاصطلاحات الهندسية في أوضاع الحروف، ثم قدم نصيحة للكاتب الذي يريد
الإجادة في الكتابة.
وقد ذكر ابن النديم أن أول الخطوط العربية الخط
المكي، وبعده المدني، ثم البصري، ثم الكوفي، وقال عن "سهل بن هارون" صاحب بيت
الحكمة المعروف "بالكاتب": "إن عدد حروف العربية ثمانية وعشرين حرفاً على عدد
منازل القمر، وغاية ما تبلغ الكلمة منها مع زيادتها سبعة أحرف على عدد النجوم
السبعة، وحروف الزوائد اثنا عشر حرفاً على عدد البروج الإثنى عشر، ومن الحروف
ما يندغم مع لام التعريف، وهي أربعة عشر حرفاً مثل منازل القمر المستترة تحت
الأرض، وأربعة عشر حرفاً ظاهرة لا تندغم مثل بقية المنازل الظاهرة، وجعل
الإعراب ثلاث حركات، الرفع والنصف والخفض، لأن الحركات الطبيعية ثلاث حركات،
حركة من الوسط كحركة النار، وحركة إلى الوسط كحركة الأرض، وحركة على الوسط
كحركة الفلك ..."، كما تكلم عن فضل جمال الخط وسوء قبحه، مشيراً إلى قول
"أفلاطون": "الخط عقال العقل"، وقول "إقليدس": "الخط هندسة روحانية وإن ظهرت
بآلة جسمانية"، وقول "أبو دلف": "الخط رياض العلوم"، وقول "النظام": "الخط أصيل
في الروح وإن ظهرت بحواس البدن."
وأشار إلى أن رداءة الخط أحد الزمانتين، فقد قيل:
"رداءة الخط زمانة الأدب، والخط الرديء جدب الأدب".
ليس المدامة مما استريح له ولا مجاوبة
الأوتار والنغم
وإنما لذتي كتب أطالعها
وخادمي أبدا في نصرتي قلمي
وقيل في حسن الخط: "إذا كان الخط حسن الوصف، مليح
الرصف، مفتح العيون، أملس المتون، كثير الائتلاف، قليل الاختلاف، هشت إليه
النفوس، واشتهته الأرواح، حتى إن الإنسان ليقرأه ولو كان فيه كلام دنيء، ومعنى
رديء، مستزيداً منه ولو كثر من غير سآمة تلحقه، وإذا كان الخط قبيحاً مجته
الإفهام، ولفظته العيون والأفكار، وسئم قارؤه وإن كان فيه من الحكمة عجائبها،
ومن الألفاظ غرائبها".
إذا شئت أن تحظى بحسن كتابة
ومرتبة في العالمين تزين
تخير ثلاثاً واعتمدها فإنها
على بهجة الخط المليح تعين
مداداً، وطرساً محكماً، ويراعة
إذا اجتمعت قرت بهن عيون
ولابد من شيخ يريك شخوصها
يساعد في إرشادها ويعين
ومن لا له شيخ وعاش
بعقله فذاك هباء عقله وجنون