إن خطوط الدنيا لا توازي الشكل والتطور الذي حظي به الحرف العربي، حتى وصلت
الكتابة العربية إلى حد الإعجاز في الإجادة والإبداع، وإن هذا يعود لما أولاه
العرب والمسلمون للحرف من منزلة قربت من القدسية لارتباط الحرف بكتاب الله (جل
جلاله) القرآن الكريم.
ويقول "باول بارتيس" حول الدور المكرس للغة وكلماتها عند العرب: (في الإسلام
يلعب الوازع الديني دوراً أساسياً في عمل الخطاط الذي يعبر في عمله عن التسليم
لله والتوكل عليه).
ويتجلى هذا المفهوم "مثلاً" في كتابة (لفظ الجلالة).
ولفظ الجلالة كموضوع يحتل عند العرب والمسلمين مكانة خاصة في نفوسهم وأرواحهم،
كما حددتها العقيدة الإسلامية لقدسية هذه اللفظة وارتباطها بعالم السماء، لذا
أفرد لها الخطاطون صياغة خطية تشكلية خاصة بها تشذ عن بقية التركيبات البنائية
لكل نوع من أنواع الخط كعرف قائم وسائد في كل القواعد؛ حتى لا تتساوى مع غيرها
من الكلمات، لأنها صياغة إيمانية في تركيبات بنائية.
ولقد تبوأ الخط العربي منزلة متميزة في التراث العربي والإسلامي إلى جانب
تعبيره ودلالاته على قيم فنية وجمالية معينة، لأنه ينقل إلينا من خلال الكلمة
المجودة مضمونها ومعناها، وعندئذٍ يلتقي جمال الكلمة مع قدسية المعنى.
وتمتزج الثقافة بالفن ويحتفظ أحدهما بالآخر ليصبحا معاً وسيلة من أعظم وأرقى
وسائل المعرفة للإنسان.
وفي الخط العربي، بالذات، تسمو قيمة، الشكل بقيمة المضمون، حيث يكتسب الشكل في
التكوين الفني قيمته المتعالية والمتسامية من تعالي المضامين البليغة والخالدة
وسموها التي اتجه الخط العربي، ولا يزال إلى التجويد الفني السامي في التعبير
البصري عنها عبر أداء خط الآيات القرآنية الكريمة، والأحاديث الشريفة، والحكم
والأمثال الخالدة، والمقولات السديدة والبليغة، وروائع الأعمال الأدبية.
وفي ضوء هذا المسار يؤكد الخطاطون في لوحاتهم الخطية على حرصهم الشديد على
تعميق ارتباط الشكل بالمضمون، ومن هنا يجري التجويد في الأداء،ويحرص الخطاط على
أن يكون مجيداً مبدعاً، يؤكد ذلك قوة أدائه الفني لشكل الحرف العربي وفق أصوله
وقواعد الخط العربي.
ونرى الخطاط يواصل جهوده في تحقيق الاهتمام بمعمارية البنية الخطية. وتراه
أيضاً يستخدم اللون استخداماً فنياً مبدعاً في تشكيل البنية الخطية لتحقيق
العلاقة بين الشكل والمضمون وكقيمة فنية وجمالية تعبيرية في اللوحة الخطية.

جريدة الأسبوع الأدبي العدد 1034، 9/12/2006