ومع تطور الحياة في مجتمع
الدولة الإسلامية الأولى، كان لا بد للعربية أن تتطور من لغة الشعر والخطابة
الشفوية، إلى لغة الدولة المدونة، من لغة النخبة إلى لغة المجتمع المسلم بأسره،
من لغة البادية والجزيرة المنعزلة بجغرافية الصحراء والرعي إلى لغة التواصل مع
أمم وأقوام وجغرافيات متنوعة، لغة للاجتهاد والتفسير والفقه والمجادلة في مسائل
الدين، لغة تقيم موازينها في المعنى والمبنى بما تقتضيه الضرورات، وأول
الضرورات حفظ النص الديني بالتدوين، واستقرار الدولة بالوحدة المرجعية الدينية
والزمنية، فكان لا بد والحال هذه أن يتطور حامل المرجعية/الشرعية، أي الكتابة
العربية باعتبارها حامل كتاب الله، مؤسسة دستور دين الدولة، ودولة الدين.
لن يتكرر في التاريخ سرعة
وتعدد وتنوع مديات التطور التي حدثت للكتابة العربية، عن أصولها السامية
الآرامية السريانية بخط الجزم النبطي، أو المسند الحميري القرشي، إلى شكل كتابة
تفتقت عن ذخائر لاقت بالارتقاء، التطور السريع، والانتشار الكبير لدولة
المسلمين.
في الكوفة وفي الفضاءات
المجاورة "لأور"، و"أوروك"، السومريتين، حيث شهدت الكتابة الأولى "المسمارية"
نشوءها، قبل ثلاثة آلاف سنة من الميلاد، ومن حيث ابتدأت الإنسانية خطوتها
الأولى في مغامرة تدوين معارفها، وقلقها الروحي على ألواح فخارية طينية، وفي
أختام أسطوانية في شكل تصويريات، ألهمت مصورين وحفاريين ولا زالت.
في الكوفة، المعسكر الأول
للمسلمين خارج جزيرتهم العربية، قبل أن يصبحوا قوة إقليمية، إمبراطورية، خطت
الكتابة العربية "الخط" غزوتها الخاصة بها، بالانتقال المرن من التقشف البدائي
البسيط إلى التألق الروحاني والحضاري بأشكال ووتائر تليق بأعظم دولة وأمة،
وأوسع أخلاط بشرية، وذخائر تتراكم، وستتراكم على مدى جغرافيا تمتد من الصين إلى
شبه الجزيرة الأيبيرية الحديقة الخلفية لأوربا المسيحية.
دأت تحولات الحرف العربي
عن الشكل التربيعي الذي تكلس فيه قرينه الآرامي السرياني؛ لأنه تحجر في مهنة
الكهنوت وبيروقراطية الدواوين، لغة وكتابة تحتكرها نخبة النخبة، لضرورات نمو
وتطور الحاجة المجتمعية في دولة إمبراطورية فتية ما تنفك تتوسع وتتنوع.
في دولة الإسلام تطورت
الكتابة العربية بالتحرر من جذرها التربيعي الآرامي، بالاستدارة والليونة التي
تطلق اتصال الحروف من أسار الشكل الثابت الممدود، فأحدثت تطوراً في شكل الحرف
وأشكال اتصالها، هيكل الكلمة، وهندسة الكتابة.
تطور
استدعته حاجة الدولة إلى المركزية والوحدة والاستقلالية، في العهد الأموي؛ إذ
كانت القلاقل والتمردات تهدد الدولة من الصحابة وأبنائهم، وخاصة في مكة
والمدينة، وشيعة علي في الكوفة والسواد. كانت الدواوين لغة وكتابة سريانية
آرامية ويونانية وبيزنطية لأكثر من نصف قرن من عمر الدولة.
مر "عبد الملك بن مروان"،
(ولي سنة 65 هجرية) بتعريب الدواوين لرفع هيبة الدولة، والقضاء على التمردات.
حاصر مكة ورماها وقتل "عبد الله بن الزبير"، وهو الذي كان أكثر خلفاء بني أمية
تفقهاً، وتلاوة للقرآن، وأرقهم مشاعر، وحين ولي الخلافة أصبح أشدهم حزماً
وسلطاناً، كان يقرأ القرآن حين أبلغ بالبيعة له بالخلافة، فأغلق الكتاب وقال
قولته المشهورة: "هذا فراق بيني وبينك". وهو صاحب: "شيبني اعتلاء المنابر، وخوف
اللحن"، إليه ـ عبد الملك ـ وإلى والي الأمويين "الحجاج بن يوسف الثقفي" وإلى
النحوي "أبو الأسود الدؤلي" ( توفي 688م) يعود الفضل في تطوير الكتابة العربية
بالتنقيط، والتشكيل لإزالة الإعجام، ومعالجة أحرف العلة الناقصة، قبل أن يأتي
مخترع عروض الشعر "خليل بن أحمد الفراهيدي" ليحل مشكلة النقاط البديلة، بحفظ
نقاط "الحجاج" و"أبي الأسود" للتمييز بين الحروف المتشابهة، واضعاً مكان حروف
العلة، ثمانية حركات: الكسرة والفتحة و ... الخ ... ولا زالت إلى اليوم.
فتحت
النظم التي أدخلها "الفراهيدي" (المتوفى سنة 786م) الوقوف على سر صناعة الورق
منتصف القرن الثامن الميلادي (القرن الثاني الهجري) بعد فتح "سمرقند"، في تنوع
آفاق الكتابة بعدما أطلق "قطبة المحرر" "الخط المقور" من أسار التقشف الجامد،
فتحت الباب واسعاً أمام كاتب العرائض في الدواوين عن شؤون العامة من مرتادي
قصور الوزراء "علي بن محمد بن مقلة" أن يسخر معارفه الدقيقة بعلم الهندسة،
وخبرته في معضلات الكتابة الرسمية والعملية، أن يستنبط أقلاماً جديدة، أرسى بها
قواعداً ونظماً لفن الخط على أساس علمي مدروس.
جودها أكثر، من بعده،"ابن
البواب" صاحب الخط المنسوب الفائق بداية القرن الثالث المهجري. وبالتحسينات
التي أدخلها "ياقوت المستعصمي" من بعدهما تشكل فضاءً جود عليها الخطاط المسلم
تحسيناته، وإضافاته في الأمصار الإسلامية: في العراق و فارس ومصر وشمال أفريقيا
والأندلس، ومن ثم العثمانيون بمهاراتهم وفنونهم بالتزويق والتجديد والإحسان.
لا ندري ما الذي كان يدور
في خلد "الوزير ابن مقلة"، الشخصية الإشكالية بامتياز، وهو يستولد الحرف العربي
نظماً، وأشكالاً، مجودة ومحسنة، وضع لها ضوابط تستقيم والمعايير الهندسية
مقاييس وأوزان ـ ولم تندمل جراحه بعد ـ حتى كان يتدرب على الخط باليسرى، بنفس
دقة اليمنى، التي أمر بقطعها الخليفة العباسي "الراضي" (322 ـ 329 هجرية)، وهو
ينوح: "يد كتبت بها كذا وكذا مصحفاً، وكذا حديثاً، لرسول الله، ووقعت بها كتباً
إلى الشرق والغرب تُقطع كما تقطع أيدي اللصوص."
كما لا نعرف لماذا في عهد
هذا الخليفة بالذات، بدأت عصمة الخلافة تتلاشى، والرايات البويهية تلاقي من
الشرق الرايات الفاطمية، وقرامطة البحرين، ينتهبون الكعبة ويستولون على الحجر
الأسود لمدة 20 عاماً. بعدما كان سلفه، "المقتدر" قد رفع "الحلاج" على الصليب
بسنوات قبله.
لكن الذي نستطيع الجزم به
أن الخط بأقلامه ـ ابن مقلة ـ أصبح يضاهي بمضائه الحكم، يسمو إليه الوزراء
والأمراء وأصبح بمنزلة المفاتيح والأختام الخطرة، فيه تكمن أسرار الدول، وشؤون
البلاد والعباد.
"لقد قطعت يده مخافة
لأقلامه لا للسيوف الصوارم." حسب قول أحد معاصريه.
بنى ابن مقلة، الوزير لثلاث
وزارات، لثلاث خلفاء، (المقتدر والقاهر والراضي) موازينه على ثلاث وحدات
قياسية:
1 ـ النقطة المربعة.
2 ـ حرف الألف باعتباره
عدداً من النقاط المصفوفة عمودياً.
3 ـ مستديرة الخط من
النقطة إلى مبتدئها الدائرة.
كما اعتمد على تطوير"قطبة
المحرر" لقلم "الطومار العريض" إلى أقلام أكثر ليونة، مثل: "خط النسخ" الذي
أستخدم بكثرة في نسخ المصاحف، و"خط المحقق" زمن الخليفة "المأمون" (813 ـ
833م)، جاد "ابن مقلة" بموازينه التي رست على ستة أقلام/خطوط : الثلث،النسخ،
المحقق، الريحاني، الرقاع، والتوقيع.
ظل العرب المسلمون ـ من بعد
أقلام ابن مقلة ـ، يستخدمون الكوفي المستقيم الممدود في نسخ المصاحف، قبل أن
يحيلوه إلى خط العناوين والبسملات، لمهابته الغرافيكية، وقدرته على إشغال
الفضاءات المحيطة بأشكال وزخارف.
لم تبق حاضرة إسلامية إلا
وأضافت على الخط الكوفي شيئاً من روحها، ومناخها، وثقافتها البصرية، تتشرب
الموجود وتنفتح على مكامن أسراره وجمالياته وانفتاحه على فضاءات التجديد
والتحوير والإتقان لسلاسة الأسس الهندسية العلمية التي استقام بها جسمه
المعماري، في تهاديه اللدن لمرونة وحرية حروفه في علاقتها مع ذاتها أو في
تآلفها مع غيرها، في وحدة الكلمة ضمن نظام علمي متقن للكتابة الغرافيكية.
لقد
تألق الخط الكوفي في فضاءات ثقافة الشعوب والحواضر، وتعددت أشكاله التزيينية
وزخارفه حتى جاوزت السبعين خطاً: من الكوفي البسيط المبسوط ،إلى البصري
النيسابوري، مروراً بالمورق، والقيرواني، والمضفر، والمورق، والمزهر، والمربع،
والتذكاري، والأندلسي، ... و ...الخ.
مع العثمانيين، أصبح للخط حظوة خاصة إذا عرفنا أن أعظم سلاطين بني عثمان
"سليمان القانوني" كان شاعراً وخطاطاً، وترك لنا على الأغلب بخط يده ديوانه"
ديوان محبي" أشعار في العشق (سنة 1566م). ومع الخطاطين المبدعين، انتقل الخط من
مجرد وسيلة كتابة وتدوين إلى مرتبة العلم والفن، بقيم ثابتة وأصول مدروسة لا
يمكن الخروج عليها، أو التعديل فيها، لصرامة ودقة الضوابط التي لم تترك المجال
لغير إتقان الكمال أو الخلل في الأداء.
من هنا، يمكننا تحديد كفاءة
خطاط عن آخر في درجة غناه الروحي، وحساسيته الفنية في التناجي مع القيم الرمزية
للحروف، وتبدل موسيقا الصوت فيها، ودرجة الرهافة البصرية في علاقات تواصل
الحروف ببعضها، تبعاً لدرجة غنى الخطاط البصري، والشفافية الروحية التي يتناول
بها نصاً، كلمة، حرفاً، في فضاء الصفحة ومساحة الفراغ الذي يحيط بها صياغاته
متنفساً وتوازناً كمن يطلق طيور صيده إلى طرائدها في فراغ الغابة المحصورة.
تبرز في هذه المعادلة درجة
تفوق خطاط وخطاط لجهة الإتقان والتألق في درجات الحساسية، وجرعات الهواء في
بناء اللوحة الخطية، تتداخل في ذلك عوامل عشقـية، ودرجات مران، ومتعة هوىً. كما
يتجلى الأمر في مدى بهاء طغراء السلطان "سليمان" ـ التي يتم إرجاعها إلى أحد
اثنين "قرة ممي" (1535م) أو الخطاط "كوجا نيشانجي" (1534ـ1537م)، مقارنة
بطغراءات السلاطين "سليم الثالث" و"مراد الثالث" و"أحمد الأول" و"مراد الرابع"
... الخ.
الخط والمخطوطة والمنمنمة
بتطور فنون الخط ومحترفاته
تطور شكل وأنماط مخطوطات القرآن الكريم، وبلغت شأواً في الزخرفة والتنميق، بنيت
بدءاً على الفراغات بين الآيات التي كان يتركها "زيد بن ثابت"، ومقدمات وأسماء
السور التي كان يستخدم لها الخط الجاف الذي يميل إلى التربيع، ليشمل لاحقاً
هوامش الصفحات تلويناً وتذهيباً، أخذ من الجهد لاحقاً، أكثر مما أخذه العمل
الكتابي.
هر بتدوين النصوص
الدينية/الوعظية، والأدبية الشعرية والعلمية صنف جديد من المخطوطات فتحت الباب
أمام النقش والتوضيح بالصورة، بدءاً، ليتحول فيما بعد إلى عنصر رئيسي مستمداً
أصوله عن الفنون الآسيوية الصينية والهندية ليصبح فناً إسلامياً خالصاً، تهافت
على اقتنائه الملوك والأمراء وتفننت به المحترفات.
ع "الواسطي" (القرن الثالث
عشر الميلادي) نما فن المخطوط المصور "المنمنمة"، في تزويقه لمقامات "الحريري"
واضعاً أسس المدرسة البغدادية في هذا الفن، الذي سرعان ما بنى عليه
"التيموريون" و"الصفويون" ومن ثم "العثمانيون" عمرانهم المضاف المجدد على صفحات
مخطوطات، تبادل الخط والنقش مواقع الأهمية من فترة لأخرى، وحسب معلم وآخر، رغم
أن أغلب النقاشين كانوا خطاطين في الوقت ذاته، ولكن تطور الحياة ونشوء
المحترفات المؤسساتية أدخلت التخصص، وأحاطت المعلمين بحرفيين تلامذة يتولون
تنفيذ تصورات المعلمين، لتوصلنا بتحف رائعة تجمع بين الفنين:
ـ "مقامات الحريري"
"للواسطي" (1258- 1242م).
ـ "تذكرة الأولياء" "لحميد
الدين العطار" الشاعر الصوفي الفارسي.
- "معراج نامة" القرن
الرابع عشر.
ـ "الشاه نامة" (1335م)
ـ " كليستان " لشاعر فارس
"سعدي" القرن الخامس عشر.
ـ "المنظومات الخمس"
للشاعر"نظامي"، المدرسة التيمورية بهزاد وتلامذته.
ـ "الأنطولوجيا الشعرية"
مختارات (1520 ـ 1530م) للشعراء "حافظ" و"شيرازي" و"شاه كمال" و"عمادت سليمان".
ساهم فن المخطوطات هذا، في
فتح آفاق أكثر جمالية في فضاء فن إخراج الصفحة وتنميقها بتنسيق العلاقة بين
الخط والصورة، وفسحة المساحة/الصفحة. فنبغ الإيرانيون في حقبتي الأسر
"التيمورية" و"الصفوية" في فن التذهيب والنقش، وتفوقوا على غيرهم، واخترعوا
خطاً خاصاً بهم "خط الشكستة" (وهو أقدم خط عرفه الفرس)وعلى خط التعليق رفعوا
خصوصيتهم التي تجلت في الخط الفارسي، و"النستعليق" الجامع بين التعليق والنسخي
في القرن التاسع الهجري، أبدعوا به تزويق قصائد شعراء فارس الكبار "الفردوسي"
و"النظامي" و"سعدي" و"حافظ" و"الجامي" في أكثر من 300 مخطوطة أدبية وتاريخية
ووعظية منها "شاهنامة الفردوسي"، و"كليستان السعدي"، وإضافات على"معراج نامة".
أدى الصراع المذهبي في القرن السادس عشر بين الإمبراطوريتين: الصفوية الشيعية
في إيران، والسنية العثمانية في الشرق إلى منافسة كبيرة بين محترفاتهما في مجال
فن المخطوطات والعمران ـ باعتبارها شكلاً من أشكال شرعة مرجعية دينية ـ فبعدما
كان "هولاكو" قد نقل محترفات المدرسة البغدادية - بعد سقوطها سنة 1393- في فن
المنمنات الى "سمرقند" ومن ثم "تبريز" و"هرات" في عهد خلفائه، وتألق نجم المعلم
"بهزاد" وتلامذته لدرجة غدا اهتمام الصفويين بحماية "بهزاد"، الخطاط الرسام،
زمن الحروب العثمانية يتجاوز أهمية حماية القصر الملكي، فإن أول اهتمامات
"السلطان سليم" تركزت في انتصاره في معركة "جالديران" (1514م) كانت على نقل
خزائن "تبريز" للنقش والمخطوطات إلى محترفات ملكه. لتضاهي محترفات "تبريز"
و"هرات". المحترفات التي أعطت الإنسانية والحضارة الإسلامية أسماء جليلة مثل:
"قرة ممي"، و"كوجا نيشانجي"، و"حمد الله الأماسي"، و"الحافظ عثمان"، و"عبد الله
زهدي" وهو الذي خط بالقلم الجليل جدران المسجد النبوي، والمـتأخرين بعدهم
"الشيخ عبد العزيز الرفاعي"، و"سامي أفندي"، و"هاشم محمد البغدادي"، و"العملاق
حامد الآمدي"، و"محمد عارف" وغيرهم ...
وهنا يجدر التنويه بالإضافات والتحسينات التي أدخلها خطاطو المحترفات
الهمايونية العثمانية، وخاصة لجهة فن تراكيب اللوحات الخطية، والأشكال
التصويرية، بالكتابة الخطية والتي تشكل اليوم الخزان الذي تغرف منه جل اللوحات
الخطية المعاصرة. فهم الذين أينعوا خط "الديواني الجلي" الذي غدا هوية عثمانية،
وخط "الرقعة" و"السنبلي" فضلاً عن مئات المخطوطات التصغيرية التي تجاور فيها
الخط والنقش والتذهيب. ويقال بأنه توقفت الإضافات الخطية من بعدهم عند سنة
1800م - حسب قول الخطاط المعروف محمد سعيد الصكار-.