وللوصول
إلى حركة فنية قاعدتها الخط العربي، لابد من وجود
صحف
وكتب
تهتم بالخط،
حيث أصبح من السهل حالياً تصوير الخطوط
على المعالم وطبعها،
كي يتعرف عليها الخطاطون الناشئون، وتكون دراستها هي المادة الأولى لخلق خط
حديث. كذلك
لابد من
معارض ولقاءات تخلق مناخ إبداع وتجديد
وحوار ...
؟
كما لا ننسى ضرورة اقتناء أعمال الخطاطين وشراؤها حتى يستطيع الخطاط مواصلة
إعطاء الزمن الذي تتطلبه العملية الخطية.
القيود
في الخط ودورها:
في
القرون الأربعة الأخيرة كانت الدولة العثمانية هي التي تقود مجموعة الخطاطين
على أراضيها. كان الطالب الصغير يدق باب خطاط
كبير،
وبعد
التجربة
قد يقبل به الأستاذ
كمتعلم
أو لا، وعلى الطالب احترام أستاذه وتتبع
أسلوبه، لكي يتعلم منه قوانين الخط التي تعلمها الأستاذ
سابقاً من أستاذه.
وهكذا
فإن التعبير الخطي أخذ هذا المنحى عند الدولة العثمانية التي هيمنت منذ القرن
السادس عشر على كل الدول العربية ما عدا المغرب.
كان
العمل الفني
يدور داخل
شبكة من القوانين والمفاهيم يحترمها الجميع، ومن لا يريد احترامها يضع نفسه
خارج
قوانين
الفن الذي يزيّن معالم المدينة،
ومن اختار الخروج على نظام الدولة،
فلن تكلفه الدولة بطلبات لإنجاز بعض الأعمال، وعندها سيذهب إلى السوق ليخط
للصفاريين ببضعة دراهم أو يقوم بأي
عمل آخر، كتعليم الأطفال في المحلات الفقيرة، بالتالي لن يكون لديه
وقت للبحث والتطور، لأنه سيعمل كثيراً وبمورد قليل.
وعندما
انهارت الدولة العثمانية، لم تعد قوانينها الفنية تساوي شيئاً، فقد انتهى حال
الخطاط حتى يومنا الحالي. واستمر الخط
القديم بجهود بعض الخطاطين الذين قدروا أهمية هذا الفن لمجتمعنا العربي ولكل من
يستعمل الحرف العربي.
ربما كان
الهدف من القوانين القديمة في
الخط
احترام التراث والحفاظ عليه. ولكننا اليوم نرى أنها قد أصبحت في
بعض البلدان
عائقاً لمواصلة هذا التراث، وحتى
أن بعض البلدان
لم تستطع المحافظة على
الخط القديم.
فقبل قرن من الزمن كان عدد الخطاطين يحسب بالآلاف، أما اليوم فانه يحسب
بالعشرات.
إن هذا
المثل يمكن تطبيقه على كل نشاطات الدولة العثمانية،
بل هو أحد الأسباب التي أدت إلى الانهيار المفجع لهذه الإمبراطورية.
كما لا يجب أن ننسى أن جمود جيل من البشر سوف يؤدي إلي فقر الجيل الذي سوف
يخلفه
بل انه
لمن
المفجع بشكل أكثر رؤية التوجهات الثقافية في مجال الخط عند بعض الدوائر
الرسمية اليوم تمثل امتداداً للقوانين الصارمة للنظام العثماني تجاه الخط والتي
سبق ثبوت فشلها.
إن جماهير
الدول الإسلامية تعيش الفقر الثقافي، والكثير
من
شبابها يحلم بالهجرة إلى العالم الصناعي، إلى الدول التي تفتح ذراعيها أمام
الخلق الفني بكل
اتجاهاته، وذلك بسبب ركود مجتمعاتنا ثقافيا، وتقلص الإنتاج الفني الذي هو إنتاج
روحي قبل كل شيء يهدف لتطوير الذوق البشري، والسمو بأخلاق المجتمع ككل.
الخوف من
التجديد هو أحد أسباب سقوط الإمبراطورية العثمانية وتمزيقها. وهذا ما نلمسه
الآن في الكثير من بلداننا، حيث يشعر الناس
بهذا
الاختناق الحالي، ويطالب البعض
بسذاجة
بالعودة إلى الماضي، إلا أن الرجوع إلى
الخلف هو قراءة خاطئة للتاريخ. بينما يفترض الإسراع للأمام والتطور مستغلين كل
إمكانيات التطور البشري الحديث.
فلنتذكر
فقط فترات الانفتاح الماضية وخيراتها، ونأخذ أجمل ما خلفه لنا الماضي ونطوره
باتجاه المستقبل.
ولتوضيح
التطور الذي مر به الخط في الزمن
الماضي؛
يمكن أن نأخذ كمثال على ذلك استعمال الخط الكوفي بشكل واسع للمصاحف في القرن
التاسع،
ولكن بنهاية
القرن العاشر بدأ التحول نحو استعمال
أسلوب
النسخ.، لأسباب اجتماعية عديدة؛
أهمها الازدهار الحضاري للدولة الإسلامية الكبيرة المتعددة القوميات.
التقدم
الحضاري في العصر العباسي سمح بولادة أساليب لا حصر
لها
في الخط العربي من إبداع
الخطاطين، لان الدولة الإسلامية كانت آنذاك دولة مفتوحة،
على شكل الولايات المتحدة أو الاتحاد الأوربي في عصرنا الحالي. ففي العالم
الغربي الواسع اليوم يتـنقل
الناس بدون جوازات
سفر ويعملون في المكان الذي يجدونه ملائماً لهم. وهكذا
كنا نسمع بشار بن برد في القرن الثامن يقول :
وإذا
خشيت تعذراً في بلدة فأشدد يديك بعاجل الترحال.
كان يعرف
انه يستطيع العيش بمدينة أخرى. وكان الشاعر "الحريري" في القرن الثاني عشر يقول :
وجب
البلاد فأيها أرضاك فأختره وطن.
وهكذا كانت
الدولة الإسلامية سابقاً
تمتد من
بعض أجزاء الصين وحتى
الأندلس، فكان للخطاط مجالات عمل واسعة، وتمكن من إبداع أساليب عديدة في الخط. أما اليوم
فلم يعد التنقل سهلاً بين الدول العربية.
ويمكن
تصوّر هذا المناخ الايجابي،
في زمن الدولة الإسلامية المتعددة القوميات، والذي
كان يشمل كل مجالات الإبداع. فالشعراء في كل مكان،
والموسيقيون في القصور، والمعماريون في المدينة...
وكمثال
على ذلك: فان الفيلسوف "الغزالي" ولد في إيران، وعمل أستاذاً في المدرسة
النظامية ببغداد. و "زرياب"
البغدادي فتح أكبر مدرسة للموسيقى في الأندلس يتعلم فيها حتى أبناء الأوربيين.
و"ياقوت" أكبر خطاطي بغداد في القرن الثالث عشر ولد في أوربا وتبناه الخليفة "المستعصمي".
كان
الخليفة "المأمون" يطلب من الخطاطين أن يستنسخوا نموذجاً لكل كتاب موجود في
عصره حتى لو كان بلغة أخرى ليترجم ويُخط، وهكذا تنشط ذاكرة الإنسان ويتطور
المجتمع. وهذا بالضبط ما يحدث الآن في الدول الصناعية الكبرى. بينما في
العصر الحالي عندما نرغب بشراء كتاب من مكتبة عربية تصيبنا الدهشة لقلة الكتب.
في عصرنا الحالي لم تعد
الدولة توجه الخط، كما حصل سابقاً؛ مما أعطى الخطاط الحرية الكاملة في عمل
خطوطه. لكننا نلحظ قلة المعارض، وقلة الاهتمام بالخط إن لم نقل الإهمال الكامل
بعمل الخطاط وجميع الفنون التشكيلية. هذا الإهمال يسبب للخطاط مشاكل اقتصادية
تدفعه إلى ممارسة العمل التجاري إلى جانب عمله الفني، و تجبره على تقليص وقت
البحث والتجديد الذي هو ضرورة ملحة كيلا نتراجع إلى الخلف.
كان الكثير من هواة الفن
والأثرياء في الزمن الماضي يقتنون الخطوط بأسعار مرتفعة مما يوفر الوقت للخطاط
للبحث والتدريب. قال أحد الخطاطين القدماء : "عندما أخط وأبيع نسخة من كتاب "المجسطي"
(وهو كتاب علمي مترجم عن اللغة الإغريقية) يكفيني هذا المورد أن أعيش لمدة
سنة".
كما كان هناك التشجيع
الواسع من الشخصيات العليا في الدولة؛ يقال أن السلطان "مصطفى الثاني" كان ينظر
بإعجاب إلى الخطاط "الحافظ عثمان" في القرن السابع عشر وهو يخط، ويقول له:
"هل سيأتي يوم يا حافظ لكي
يوجد خطاط مثلك. "
فأجابه "الحافظ عثمان" :
"نعم سيكون هنالك خطاط
مثلي لو يأتي سلطان مثلك يمسك المحبرة لخطاطه المفضل "
لا
يجد الأطفال
والهواة اليوم
إمكانية تعلم الخط
بسهولة، وفي
أغلب الأحيان على
من يريد تعلم الخط الاعتماد على نفسه في البحث، وتقليد
الخطوط المطبوعة.
وكم هو تبذير للوقت أن يحاول الشخص التعلم وحيداً لفن
كهذا.
إن التمرين على الخط والتوصل
إلى إتقان بضعة أساليب يتطلب سنين من العمل ويصعب تحقيق ذلك
بشكل
فردي. إذ
لابد
للخطاط المبتدئ
من فهم وهضم تركة الماضي
من الخطوط والتكوينات،
ومعرفة أين تكمن جمالياتها، أضف إلى ذلك التمرين المستمر الذي سيساعده
على إدراك ماهية وجوهر الجمال في هذا التعبير الفني. كذلك لابد من إضافة الجديد
بالاستلهام من أشكال
وعناصر
الطبيعة
كالأرض والنار والهواء والماء، وكذلك من الهندسة
المخفية خلف أشكال الأزهار مثلاً، أو
التأمل في أشكال كثبان الرمل والغيوم في السماء. كل هذا سيكون صعباً جداً في
عالم مادي يبحث عن المنفعة المباشرة قبل كل شيء.