وغالباً، تنشأ بين أصحاب
الاهتمامات نفسها لغة وقيم ومقاييس مشتركة حتى تكاد تميزهم كمجتمع يحمل خصائص
وتقاليد واضحة، نسميها أحياناً لغة المهنة الواحدة، والتي تعمل على استحداث
مفردات لغوية معينة لا نكاد نسمعها خارج هذا المجتمع الصغير، بل وطقوس وسلوك
وعادات وأخلاق تميزهم عن غيرهم من المجتمعات الأخرى الصغيرة.
إلا أن ما حصل للخطاط الإسلامي
شيء ذو اختلاف كبير؛ أعاد تقييم عملية التدوين بطريقة مختلفة أولاً لجلال ما
يكتبه الخطاطون من كلام الله سبحانه، ويشغل به حيزاً كبيراً من حياة الإنسان
المسلم في الدين والعبادات والمعاملات، وثانياً لما كانت تعنيه هذه المهمة
النبيلة من وسيلة ذات علاقة وثيقة بعملية الدعوة ونشر الإسلام الحنيف.
أي أن التكون الأولي لصور
الحروف الفنية للخط العربي كانت مباشرة بعد نزول القران الكريم، وهل أجلّ أو
أسمى من هذا التزامن، واستمر سعي الخطاطين منذ البداية للارتقاء بشكل الحروف
بما يتناسب مع ما تحمله من معاني مقدسة، وكانت هذه الجهود تشحذه عقول نيرة في
أماكن مختلفة من العالم الإسلامي. وهو ما أسميته بجمال المبنى، وكمال المعنى؛
أي أن مبنى الحروف ارتقى إلى كمال المعنى الذي تحمله هذه الحروف، فاكتسبت
أشكالها قيمة معناها، كما يكتسب بريق الذهب قيمة معدنه. وهكذا بقيت الخطوط
العربية بسبب ما تحمله من جلال معناها عاكسة بصدق جمال مبناها.
أي أن الدافع في عملية التطوير
والتهذيب لم تكن تتخذ من الأغراض الدنيوية هدفاً لها كما كانت في الحضارات
السابقة لها، وإنما تحولت إلى عمل من طراز رفيع وجليل، في تجويد كلام الله
تعالى.
وهكذا تدور طقوس حياة الخطاط
المسلم في جو إسلامي يرتكز في أسسه على الإيمان والتقوى والبر والإخلاص، إذ
يختتم الخطاط كتاباته بوضع اسمه: بكتبه ... مشقه ... سوده... أضعف الخطاطين،
وتراب أقدام الصالحين، والمعروف بالعجز والتقصير، غفر الله له ولوالديه ولمن
نظر إليه. أو كتبه أضعف الكتاب الراجي رحمة ربه التواب ....
لاشك أن كل مهارة يحتاجها
الإنسان تتطلب كثيراً من الممارسة والخبرة والدراية، وحين تصل هذه المهارة إلى
مستوياتها العليا يبدأ صاحبها بالإبداع، واكتشاف ما هو جديد في المعرفة من خلال
تراكم خبراته وأصالة تجربته.
وبسبب ما يحتاجه الخطاط من
إتقان، ولصعوبة الخط العربي وأنواعه، فقد يستغرق إتقانه كل سنين حياته، أو قد
لا تكفي في اغلب الأحيان، في هذه الرحلة يعكف الخطاط على التمرين والممارسة،
ويبتدئ بما تركه السلف من روائع، وهي بوادر العلاقة الحميمية مع خطاطين غادروا
وتركوا درراً، تجعل الخطاط يحرص على أن يلعب الدور نفسه إحياءً لذكراهم. وهكذا
يبتدئ بعد أن يحيط نفسه بمجتمع من الخطاطين السابقين واللاحقين، يحرص فيها كل
الحرص على الحفاظ على تقاليد هذا الفن وقواعده.
يعيش الخطاط أجواء مفعمة
بالمحبة والإيمان والقناعة منذ بداية تلمذته على يد أستاذ، ويتحول بمرور الأيام
إلى أحد مريديه كقدوة في الفن والسلوك والعمل والحياة، وعنواناً يجمع كثيراً من
المآثر والخصال الحميدة، علاقة مثل هذه تبقي على عهدها مهما تقادمت الأيام،
وأصبح التلميذ أفضل من أستاذه. ليس للأستاذ فيها جزاءً ولا شكوراً، وحسن الخط
وإجادته نعمة فضيلة يشكر العبد الله عليها أن وهبه إياها دون البشر، فيحافظ
عليها وينميها ويرعاها ويعلمها للآخرين، ولهذا السبب يحرص الخطاطون كثيراً على
تكرار حياة أستاذتهم بنفس الصدق والإخلاص عندما يتبنون تلاميذ جدداً، وكأنها
رسالة يحرصون على إيصالها إلى الأجيال كما وصلت إليهم من أساتذتهم، وهل زكاة
العلم إلا نشره؟
وطريقة
التعلم التقليدية هذه والتي كانت شائعة في دور العلم الإسلامية في الفقه
والحديث واللغة والبلاغة والأدب والخط والتي تستمر لسنين طوال، استمرت بذات
النهج الذي دأبت عليه، عندما عجزت طرق التعلم الحديثة في المعاهد والجامعات أن
تحل محلها في فن الخط.
وتتوج علاقة التلميذ بمعلمه
عندما يحصل على إجازة أستاذه بعد سنين طوال، وان كانت هي أسمى هدف لدى متعلمي
الخط العربي، إلا أنها في الحقيقة هي بداية مشوار الخطاط على مستوى الاحتراف،
في أحقيته بكتابة اسمه تحت ما يكتب، وإنتاج روائع خطه وكان قبلها لا يحق له
ذلك.
ولعل في قصة السلطان "عبد
الحميد" مع أستاذه في فن الخط وهو "محمود جلال الدين" مثال التلمذة البارة،
والخلق الرفيع، عندما كان السلطان يحمل الدواة لمعلمه وينظر بإعجاب إلى ما تجود
به أنامله مردداً: "لا أتوقع أن يأتي خطاط بمستوى خطك قط." فكان جواب المعلم
هو: "إذا جاء سلاطين بعدك يحملون الدواة لمعلميهم فتوقع بان يجيء خطاطين أحسن
مني".
وكما نعلم في الدراسات النقدية
الحديثة أن الفن وليد بيئته، فإن الخط العربي كان وليد تلك البيئة المفعمة
بالإيمان والوفاء والإخلاص والصدق، ودلالات بناء الحياة الإسلامية الجديدة منذ
القرن الأول الهجري، فكان ناتجاً لتلك البيئة، وخلاصة لقيمها النبيلة، وهو ما
يؤكد استحالة استحداث خطوط عربية أصيلة بعيدا عن بيئتها.
خلال
فترة تعلم الخطاط الطويلة فان جل ما يكتب هو آيات الذكر الحكيم، وصافيات الحكم،
ومأثور القول، وكل ذلك يهذب العقل والقلب والسلوك بنزعة إيمانية مستقرة. وهذا
ما يجعل الخطاط لا يقبل على الخط إلا وهو في نفس صافية مستقرة مطمئنة، أي أنه
يرتقي إلى الحالة الإيمانية العليا، لكي يبدأ خط حروفه، وإلا لن ينتج خطوطاً
كما يشتهي.
ووصلت حالات الوجد والرهبة لدى
الخطاطين الأتراك، أنهم لا يجرؤن على كتابه اللوحة الخطية إلا من خلال تجميع
حروف المسودات من الرقاع المتفرقة انتقاءً لأفضل حروف كتبوها.
كما أن القواعد الدقيقة في
الخط تجعل من الخطاط يتعامل مع مقاييس لم يألفها أحد سواه، وأدواته في ذلك قلم
بسيط بيد متمرسة، وعين ثاقبة، ونفس مطمئنة، كل ذلك ينعكس على طريقة معالجة
الخطاط لأمور حياته، ورؤيته للأمور بهذه الدقة والعناية.
وإن الطريقة العصامية هي
الوسيلة الوحيدة لوصول الخطاط إلى مبتغاه، وفي ذلك بذل لكثير من الجهد والوقت
والمال.
إن
قيمة ما وصل إليه الخط العربي غالباً ما لا تتيح فسحة للتعبير عن خلجات النفس
أو انفعالاتها،
حيث تغيب تلك الانفعالات
الفردية وتختفي ذاتية الخطاط بين حروفه، ليس لأنه فن زخرفي كما يراها بعض من
تهمه مظاهر الإشكال، وإنما لأن ما وصله الحرف العربي هي أعلى مراحل الفكر
المجرد في التعبير عن الجمع وليس الفرد، كما إنه استمد صفة الشمولية في الزمان
والمكان من جلال المعنى، فتحولت فيه خاصية الإبداع إلى أعلي مراحل الإتقان.
هنا، يرتقي الخطاط فيما يكتب ليدرك دلالة الإخلاص في العلاقة القائمة بينه وبين
خالقه، وبينه وبين الحياة.
كلمات لها دلالة
...
·
تعلم قوام الخط يا ذا التأدب،
فما الخط إلا زينة المتأدب
·
فإن كنت ذات مال فخطك زينة،
وإن كنت محتاجاً فأفضل مكسب
·
الخط للأمير كمال، وللغني
جمال، وللفقير مال.
·
عليكم بحسن الخط؛ فإنه من
مفاتيح الرزق
·
الخط الحسن يزيد الحق وضوحاً
