وعن تطور شكل الخط العربي
وهيأته يؤكد الخطاط المفتي على أن التطور الأول للخط العربي كان
على يد أبي الأسود الدؤلي بإرشاد من الخليفة علي بن أبي طالب رضي الله عنه،
فقد كان أبو الأسود أعلم عصره بكلام العرب، وهو واضع علم النحو على الصحيح،
وقد سمع قارئاً يتلو القرآن الكريم "إن الله بريء من المشركين ورسوله" فقرأ
بجر اللام من كلمة رسوله، فأفزع هذا اللحن أبا الأسود وقال: "عز وجه
الله أن يبرأ من رسوله" وجلس بين يدي أمير المؤمنين علي رضي الله عنه
مستمعاً إلى توجيهه وإرشاداته، ومن ثم ليقرأ المصحف على كاتب فلقنه فصيح اللغة،
وأخذ يأمره بوضع نقطة حمراء فوق الحرف دلالة على الفتحة، ونقطة تحته دلالة على
الكسرة، ونقطة بين يدي الحرف دلالة على الضمة ونقطتين دلالة على التنوين.
وقد كان هذا هو التطور الأول
للخط لتوضوح أصول النحو، وكان هذا النقط هو إعراب الكلمة بالفتحة
والكسرة والضمة، لا نقط الباء والفاء والثاء ... وغيرها كما يتوهم بعض العامة.
وتأتي أهمية العمل الذي قام
به أبو الأسود الدؤلي من أنه شكل بدقة كلمات المصحف من أوله لآخره
بالمنهج الذي وضعه، وهذا حدث هام في تاريخ الخط والقرآن والنحو
والكتابة.
ثم كان التطور الثاني؛ وهو
نقط الحروف المعجمة زمن الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان على يد مضر بن
عاصم الليثي المتوفي سنة 89هـ ويحيى بن يعمر المتوفي سنة 126هـ؛ وذلك
لما كثر اللحن وعظم التصحيف.
أما التطور الثالث والمعجز
للخط العربي فكان على يد العالم العبقري الخليل بن أحمد الفراهيدي
المتوفي سنة 175هـ، وكانت الخدمة الجليلة التي قدمها هي ابتداعه التشكيل
المعروف في هذه الأيام، وبذلك تخلصت الحروف من الألوان، وغدا الخط العربي في
جمال وألق.
ويقول الخطاط المفتي: ما أن
جاءت الدولة الفاطمية حتى نافست العباسيين في العراق بجودة الخط، وقد
تقدم الخط العربي تقدماً عظيماً وأصبحت له مدارس عامرة، وأساتذة يعلمون
الخط بعناية وتدبير. وقد ظل الحال كذلك حتى عصر المماليك، وبقيت بلاد
الشام المعين الذي يرفد العالم الإسلامي بأجمل الخطوط.
فقد كان الخط يرقى ويتطور
ويأخذ القيمة الجمالية في عهد السلاجقة عهد نور الدين الزنكي، وخلفه صلاح الدين
الأيوبي.
من جهة أخرى، ارتفع شأن
الخط العربي على يد الخطاطين زمن الدولة العثمانية، ووصل على أيديهم إلى قمة
المجد والجمال، وقد فتحت له المدارس فكانت مدرسة تحسين الخط في الأستانة سنة
1326هـ، ومدرسة تحسين الخطوط في كل من الإسكندرية والقاهرة.
وقد أقبل على الخط الأمراء
والملوك وخاصة الناس، وظهر على رأس المدرسة العثمانية شيخ الخطاطين وأستاذها
الشيخ حمد الله "1429 ـ 1520هـ"، وكان يكتب بأسلوب ياقوت المستعصمي الذي طور
أسلوبه، وبرع في خطي النسخ والثلث، وكتب القرآن الكريم بخط نسخي خالف فيه قواعد
الأوائل، فجاء جميلاً مختزلاً. من بعده جاء الخطاط الحافظ عثمان الذي قام
بعملية تشذيب وتهذيب لأسلوب الشيخ حمد الله فكان سيد النسخ بلا منازع.
هذا وقد بلغ الخطاطون في
العهد العثماني حد الإعجاز في إتقان الخط، فظهر منهم عمالقة وأعلام
أمثال: إسماعيل الزهدي ـ مصطفى الراقم ـ سامي أفندي ـ نظيف بك ـ عمر وصفي ـ
أمين يازيجي ـ إسماعيل حقي ـ عبد الله الزهدي ـ حامد الأمدي ـ حليم
اوزيازجي وغيرهم الكثير.
وقد ظهر في العهد العثماني
أنماط جديدة لم تكن معروفة من قبل، مثل: الخط الرقعي، والخط الديواني
والخط الديواني الجلي، وخط السياقت، وخط الطفراء، وخط قرمة تعليق، والخط
السنبلي.
وقد اتخذت هذه الخطوط سبيلها
في الحياة العملية، وأصبح الخط الذي نكتب به اليوم هو خط الرقعة وغدا خط النسخ
خط الكتب والمطبوعات وغيرها.
في مطلع القرن الماضي ظهرت
المدرسة الدمشقية في الخط العربي على أيدي مجموعة من الرواد
الأوائل نذكر منهم: مصطفى السباعي ـ ممدوح الشريف ـ بدوي الديراني ـ سليم الحنفي
ـ صبحي البيلاني ـ حسين صديق البغجاتي ـ محمد علي الحكيم ـ موسى الحلبي ـ الشيخ محمد الزرزور ـ حلمي
حباب ـ رشدي الزيات ـ أبو خليل الزيناتي، والذين شكلوا رابطة نهضة الخط العربي
الأولى، وقد زارهم من لبنان محمد أديب نشابة وهادي زين الدين من حمص... وقد
وضع هؤلاء الرواد قواعداً للمدرسة الشامية في الخط، فكان خط التعليق يتسم
بالفتنة الدمشقية بعد أن تجمل على يد الأستاذ بدوي الديراني، واختلف عن
المدرسة الفارسية وقد اكتسبت الحروف على يديه الرشاقة المتميزة والتي لم يصل
إلى مستواها الجمالي خطاطو الفرس والترك.