ولقد ضمّن الفنان المسلم كل
طاقاته عندما كتب آيات القرآن الكريم على الجدران والواجهات والعقود والأبواب
والمنابر، وفي الأماكن المقدسة؛ ليحمل في نفس الوقت شكلاً فنياً على أسس جمالية
رياضية. لقد كان الخط العربي وسيلة للعلم، ثم أصبح مظهراً من مظاهر الجمال،
يفور بالحياة ويجري فيه السحر، وما زال ينمو ويتنوع ويتعدد، حتى بولغ في أساليب
التحويرات الجزئية، فاعتبروه بهذه التحويرات نوعاً جديداً، وتعددت أنواعه بما
لم يحدث في أي لغة بشرية أخرى (15).
ولقد
كان
اهتمام
العرب
بالخط كبيراً،
لأنه
الوسيلة
التي
حفظوا بها
تراثهم
العريق،
وبه
كتب
القرآن الكريم،
والحديث
الشريف،
والحكم والمواعظ،
والأشعار. فتفننوا
بابتكار الصفات
والألقاب
للخط
العربي، فهو
"هندسة
روحانية
تمت
بآلة جسمانية" (16). واعتبروه
فناً
مقدساً، يجب
أن
يجوده
كل
من
مارسه،
لكي يظهر
للعيان
جميلاً.
وكان
للطرق الصوفية
الدينية
أساليب
متعددة
في استخدام
الحروف
والكتابات
للتعبير عن
مبادئهم
ومعتقداتهم،
وللتعبير
عن حالات
الوجد
والسمو
الروحي،
التي يتصلون
فيها
بالروح
الكلي،
وكذلك للتعبير
عن
توددهم
للملأ
الأعلى، مستخدمين
رموزاً
كتابية
مختلطة بالرسم
أحياناً،
لجلاء
المعنى،
أو بيان
الهدف.
والرمزية
لدى
الصوفية لها
عمل
السحر
لا
تمس
العقل
إلا من
حيث
تثير
فيه
الخيال
والوجدان، ولكنها
تمس
القلب
مساً مباشراً، وبعمق
أثرها،
وتتضح
معانيها
مع
التكرار (17).
الخط الفني والتشكيل
إن
الخط
العربي
هو
فن
تشكيلي،
له عناصره
ومقوماته
الخاصة
به،
حيث يمكن
أن
تتم
اللوحة
كتابة
وتكويناً (شكلا
ومضموناً)
باستخدام
الألوان المتعددة،
أو
اللون
الواحد
بدرجاته، أو
اللونين
(أبيض
وأسود
أو
غيرهما)، كما
يمكن
أن
تكون
الكتابة
جزءاً من
اللوحة
التشكيلية،
أو
أن
تكون الحروف
في
لوحة
ما
عناصر
لا
تتعلق بالمضمون،
أي
أن
الحروف،
هنا،
تكون أشكالاً وهياكل
متممة
للوحة
فقط. وفي
هذا
المجال كما
يقول الباحث
على
محمد
أمين (18):
تعددت الأساليب
التي
تناولت
الخط
العربي في
الفن
التشكيلي. وقديماً كان
الفن العربي
مقتصراً
على
تنويعات
الخط والزخرفة،
ثم
بدأت
تدخل
الرسوم المنمنة،
التي
تحتوي
على
مخلوقات حية
وبشرية
في
الكتب
المختلفة، على
سبيل
الشرح
والتوضيح،
أو لوحات
مرافقة
للقصص
والمقامات. وقد
خلفت
لنا
العصور
القديمة
آلافاً من
اللوحات
الفنية،
القائمة
كلياً على
الكتابة
والزخرفة
العربية،
كما حوت
بطون
الكتب
أعداداً كبيرة
من لوحات
الكتابة،
فقد
تفنن
الخطاطون في
زخرفة
وتذهيب
الكتب
خاصة القرآن
الكريم،
مستخدمين
الألوان المختلفة
بشكل
متناسق
جميل،
أضفي على الكتب
روعة
وجمالاً.
إن
الحروف
العربية
الغنية بمعطياتها
الفنية،
كانت،
ولا
تزال تلهم
الفنانين
إبداعاتهم،
فهذه الحروف
تنضوي
على
عبقرية
فذة
لا حدود
لها،
إن
من
حيث
المضمون،
أو من
حيث
الشكل،
ولقد
اعتمد
الفنانون التشكيليون
في
الوقت
الحاضر
على عناصر
تشكيلية
مستمدة
من
الخط العربي.
وهناك
طريقتين
للاستفادة
من الحرف
العربي،
الأولى
يكون
الحرف فيها
عنصراً
تشكيلياً
أساسياً في اللوحة،
والثانية لا
علاقة
للحرف
بمضمون
اللوحة،
إنما يكون
الحرف
فيها
عنصراً
تشكيليا فحسب.
ففي
المجال
الأول
نجد
ميلاً لدى
كثير
من
الفنانين
إلى
استخدام الكتابة
العربية
شكلاً ومضموناً بحيث تتكون
اللوحة
من
جملة
أو
كلمة
تكتب بالطريقة
التقليدية
للخط
العربي،
أو بطريقة
فنية
لا
تلتزم
بقواعد
الخط العربي،
بل
إن
بعضهم
استخدم الكلمات
للتعبير
عن
مضمون
اللوحة بأشكال
فنية
غير
ملتزمين
بقوانين وقواعد
الخط
العربي.
كما
قام
فنانون
آخرون
بتجريد الخط
العربي
واستخدامه
في
اللوحات التجريدية
التي
اقتبسوها
من
الغرب، محاولين
ربط
التراث
العربي
بالفنون العصرية،
وهم
جميعاً
استخدموا الخط
العربي
حروفاً وكلمات، وجملاً، كعناصر
تشكيلية
تساهم
في
بناء اللوحة،
فإما
أن
تكون
أساساً في
هذا البناء
في
بعض
اللوحات،
أو
تستخدم في
حل،
أو
إشغال
الفراغات
في لوحات
أخرى. وكل
ذلك
مع
الاستفادة من
التراث
الزخرفي
العربي.
وأكثر
الخطوط
العربية
التى تتوافق
بشكلها
مع
الفن
البصري (أوب آرت)
والتي
تسبق
في
الزمان
والمكان ظهور
هذا
الفن
في
أوروبا،
هو
الخط الكوفي
المزوي (المعماري))
كما
يقول الباحث،
وخاصة
إذا
كانت
اللوحات منفذة
بأساليب
حديثة
وألوان متناسقة.
وقد
استفاد
الأوربيون
من
هذا
الفن (19).
الخط
والتعبير
ومن
هنا
يقول
الباحث
على
محمد أمين (20). كانت
اللوحات
الخطية
العديدة التي
تعبر
عن
الحالات
الصوفية
التي تعود
لمذاهب
متنوعة،
وكانت
تعبر عن
محبة
الله
والرسول صلى
الله عليه
وسلم وأهل
البيت
والإمام على رضي
الله
عنه بشكل
خاص، وكلها
رموز
للتهجد
والعبادة
والتقرب إلى
الله
تعالى. وتمتاز
هذه
اللوحات باعتمادها
على
التكرار
الدائري
أو المتناظر،
أو
المتلاحق
ضمن
مربعات أو
أشكال
هندسية
متنوعة،
إضافة إلى
أشكال
نباتية
وحيوانية
أو
بشرية أيضاً.
وفي
العصر
الحاضر
استخدم الفنانون
والخطاطون
هذه
السمة الروحية
الكامنة
في
الخط
العربي. وعلى
الرغم
من
وظيفة
الحرف
العربي في
إيصال
المفاهيم
والتعبير،
وهو هدف
لغوي
خالص،
إلا
أن
هناك
هدفاً باطنياً
وروحانياً،
فقد
استطاع
الفنان أن
يعي
تماماً
بحسه
الفني
المرهف
أن مكونات
الحروف
العربية
الصارمة في
بنائها
الهندسي
وقدرتها
على التكيف
في
أي
شكل
مُعطى، وليونتها في
تشكلها
البنائي
البسيط
أو
المعقد، تستطيع
من
خلال
كل
ذلك
أن
تتضمن معنى
باطنياً
يسمو
على
معناه
اللغوي، فالهدف
بلا
شك
كان
دائماً
التعبير
عن حالة
لا
مرئية
مطبوعة
بداخل
النفس العربية
من
جهة،
ومؤكدة
ومثبتة
من خلال
العامل
الديني. وهي
تزاوج
بوضوح
بين
المرئي بدلالته
اللغوية
واللا مرئي
بدلالته الفنية
والجمالية. لقد
دفع
التجريد
الرفيع
في
الخط العربي
أعظم
فناني
عصرنا "بابلو بيكاسو" إلى
أن
يقول:"
إن
أقصى نقطة
وصلت
إليها
في
فن
التصوير سبقني
الخط
الإسلامي
إليها
منذ وقت
طويل".
إن
صياغات
الحروف العربية
صارت
عند
الفنان
المسلم إشارات
شاعر
هائم
أخذ
به
الحال فتجلى
الشوق
ذوقاً وترنح
بمجاهدات قلبه
همسات
ابتغي
بها
القرب
من الله،
وأن
الخطوط
العربية
قد
أصبحت كتابات
وابتهالات
لبستاني
همس
من فوق
رياض
الأشواق
لله 
* أستاذ الفلسفة الإسلامية،
ورئيس قسم الفلسفة والاجتماع في كلية التربية جامعة عين شمس.

الهوامش والمصادر:
(1)
انظر
صلاح
الدين
المنجد
في
تحقيقه
لكتاب
"جامع
محاسن
كتابة
الكتاب" للطيبي،
بيروت.
(2)
ناجي
زين
الدين:
مصور
الخط
العربي، ص
299
وما
بعدها،
مطبوعات
المجمع
العلمي العراقي،
بغداد
عام
1968م.
(3)
يوسف
سمارة:
قصة
الأبجدية،
مجلة سورية
السياحية،
العدد
5
ص
16
عام
1986م.
(4) أحمد
فارس:
الكتابة
عبر
تاريخها
الطويل، الفيصل
العدد
11
ص
75،
الرياض
عام
1978م.
(5)
علي
محمد
أمين:
عبقرية
الخط
العربي، الوحدة،
العدد
9،
بيروت،
مارس
عام
1992م.
(6) د.
حسين
عيسى
عبد
الظاهر:
المصحف الشريف
من
الكتابة
على
جريد
النخل
إلى
فن التذهيب،
مجلة
الدوحة،
العدد
85
ص
4،
قطر
عام 1983م.
(7)
الغمري
عقيل:
عبقرية
العرب
في خطوطهم،
الدوحة
العدد
95
ص
122
وما
بعدها عام
1983م.
(8) د. إبراهيم
جمعة:
دراسة
في
تطور الكتابات
الكوفية،
دار
الفكر
العربي
ص
17
عام 1986م.
(9)
محمد
الجزائري
:الحروفية
العربية
في التشكيل، الرافد،
العدد 94 ص
117، الشارقة
يونيو 2005م.
(10) معصوم
محمد
الخلف:
الموازين الجمالية
لفن
الخط
العربي،
الخفجي،
السعودية، العدد
34
سبتمبر
عام
2004م.
(11) التوحيدي:
علم
الكتابة،
تحقيق
إبراهيم الكيلاني،
لرسائل
أبي
حيان
التوحيدي،
بيروت، وانظر
د.
عفيف
البهنسي:
علم
الجمال
عند
أبي حيان
التوحيدي،
بغداد
عام
197م.
(12) د.
عفيف
بهنسي:
جمالية
الفن
العربي ص 125، 126،
عالم
المعرفة، العدد
14، الكويت،
فبراير
عام
1979م.
(13) د. مصطفي
عبده:
الدين
والإبداع
ص
62،
مكتبة
مدبولي،
القاهرة،
ط
3
عام
1999م.
(14) محمد
الجزائري:
الحروفية
في التشكيل،
سابق.
(15) ناجي
زين
الدين:
بدائع
الخط
العربي
ص 457،
وزارة
الإعلام
العراقية،
بغداد
عام
1973م.
(16) قول
مأثور
عن
الخطاط
ياقوت.
(17) مصطفي
الحلاج:
التصوف
والخط والنقطة،
جريدة
الثورة،
العدد
41،
ص
11،
دمشق عام
1976م.
(18) علي
محمد
أمين:
عبقرية
الخط
العربي، الوحدة،
العدد
9، مصدر سابق.
(19) عبد
اللطيف
هاشم:
جمالية
الخط الكوفي،
مجلة
العربي
العدد
338،
ص
183،
الكويت عام
1987م.
(20) علي
محمد
أمين:
عبقرية
الخط،
مصدر سابق.